القرطبي

137

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

مبعدون " ( 1 ) قالوا : فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده منها . وكان هؤلاء يقرءون " ثم " بفتح الثاء " ننجي الذين اتقوا " . واحتج عليهم الآخرون أهل المقالة الأولى بأن معنى قوله : " أولئك عنها مبعدون " عن العذاب فيها والاحراق بها . قالوا : فمن دخلها وهو لا يشعر بها ولا يحس منها وجعا ولا ألما فهو مبعد عنها في الحقيقة . ويستدلون بقوله تعالى : " ثم ننجي الذين اتقوا " بضم الثاء ف‍ " ثم " تدل على نجاء بعد الدخول . قلت : وفي صحيح مسلم ( ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة فيقولون اللهم سلم سلم ) قيل : يا رسول الله وما الجسر ؟ قال : ( دحض مزلة ( 2 ) فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم ) الحديث . وبه أحتج من قال إن الجواز على الصراط هو الورود الذي تضمنته هذه الآية لا الدخول فيها . وقالت فرقة : بل هو ورود إشراف واطلاع وقرب . وذلك أنهم يحضرون موضع الحساب وهو بقرب جهنم فيرونها وينظرون إليها في حالة الحساب ثم ينجي الله الذين اتقوا مما نظروا إليه ويصار بهم إلى الجنة " ونذر الظالمين " أي يؤمر بهم إلى النار قال الله تعالى " ولما ورد ماء مدين ) ( 3 ) أي أشرف عليه لا أنه دخله . وقال زهير : فلما وردن الماء زرقا ( 4 ) جمامه * وضعن عصي الحاضر المتخيم وروت حفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية ) قالت فقلت : يا رسول الله وأين قول الله تعالى " وإن منكم إلا واردها " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فمه " ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا " ) . أخرجه مسلم من حديث أم مبشر قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة .

--> ( 1 ) راجع ص 345 من هذا الجزء . ( 2 ) دحض مزلة : هما بمعنى وهو الموضع الذي نزل فيه الاقدام ولا تستقر . ( 3 ) راجع ج 13 ص 267 . ( 4 ) يقال : ماء أزرق إذا كان صافيا . وجمام جمع جم وجمة وهو الماء المجتمع . والحاضر : النازل على الماء . والمتخيم : المقيم وأصله من تخيم إذا نصب الخيمة . يصف زهير الظعائن بأنهن في أمن ومنعة فإذا نزلن نزلن آمنات كنزول من هو في أهله ووطنه . والبيت من معلقته .