القرطبي
111
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
شيئا ) يريد الأصنام . ( يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك ) أي من اليقين والمعرفة بالله وما يكون بعد الموت ، وأن من عبد غير الله عذب إلى ما أدعوك إليه . ( أهدك صراطا سويا ) أي أرشدك إلى دين مستقيم فيه النجاة . ( يا أبت لا تعبد الشيطان ) أي لا تطعه فيما يأمرك به من الكفر ، ومن أطاع شيئا في معصية فقد عبده . ( إن الشيطان كان للرحمن عصيا ) ( كان ) صلة زائدة وقيل : [ كان ] ( 1 ) بمعنى صار . وقيل بمعنى الحال أي هو للرحمن . وعصيا وعاص بمعنى واحد قاله الكسائي . ( يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ) أي إن مت على ما أنت عليه . ويكون " أخاف " بمعنى أعلم . ويجوز أن يكون " أخاف " على بابها فيكون المعنى : إني أخاف أن تموت على كفرك فيمسك العذاب . ( فتكون للشيطان وليا ) أي قرينا في النار . ( قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ) أي أترغب عنها إلى غيرها . ( لئن لم تنته لأرجمنك ) قال الحسن : يعني بالحجارة . الضحاك : بالقول ، أي لأشتمنك . ابن عباس : لأضربنك . وقيل : لأظهرن أمرك . ( واهجرني مليا ) . قال ابن عباس : أي اعتزلني سالم العرض لا يصيبنك منى معرة ، واختاره الطبري ، فقوله : " مليا " على هذا حال من إبراهيم . وقال الحسن ومجاهد : " مليا " دهرا طويلا ، ومنه قول المهلهل : فتصدعت صم الجبال لموته * وبكت عليه المرملات مليا قال الكسائي : يقال هجرته مليا وملوة وملوة وملاوة وملاوة ، فهو على هذا القول ظرف ، وهو بمعنى الملاوة من الزمان ، وهو الطويل منه . قوله تعالى : ( قال سلام عليك ) لم يعارضه إبراهيم عليه السلام بسوء الرد ، لأنه لم يؤمر بقتاله على كفره . والجمهور على أن المراد بسلامه المسالمة التي هي المتاركة لا التحية ، قال الطبري : معناه أمنة مني لك . وعلى هذا لا يبدأ الكافر بالسلام . وقال النقاش : حليم خاطب سفيها ، كما قال : " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ( 2 ) سلاما " [ الفرقان : 63 ] . وقال بعضهم في معنى تسليمه : هو تحية مفارق ، وجوز تحية الكافر وأن يبدأ بها . قيل لابن عيينة : هل يجوز السلام على الكافر ؟ قال : نعم ، قال الله تعالى : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ( 3 )
--> ( 1 ) من ك . ( 2 ) راجع ج 13 ص 67 فما بعد . ( 3 ) راجع ج 18 ص 58 فما بعد .