القرطبي

104

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

السالفة ، والقرون الخالية الماضية ، فهو مما يثبت حكمه ولم ينسخ في شريعة أمره . وكان عيسى عليه السلام في غاية التواضع ، يأكل الشجر ، ويلبس الشعر ، ويجلس على التراب ، ويأوي حيث جنه الليل ، لا مسكن له ، صلى الله عليه وسلم . الرابعة - الإشارة بمنزلة الكلام وتفهم ما يفهم القول . كيف لا وقد أخبر الله تعالى عن مريم فقال : " فأشارت إليه " وفهم منها القوم مقصودها وغرضها فقالوا : ( كيف نكلم ) وقد مضى هذا في " آل عمران " ( 1 ) مستوفى . الخامسة - قال الكوفيون : لا يصح قذف الأخرس ولا لعانه . وروى مثله عن الشعبي ، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحق ، وإنما يصح القذف عندهم بصريح الزنى دون معناه ، وهذا لا يصح من الأخرس ضرورة ، فلم يكن قاذفا ، ولا يتميز بالإشارة بالزنى من الوطئ الحلال والشبهة . قالوا : واللعان عندنا شهادات ، وشهادة الأخرس لا تقبل بالاجماع . قال ابن القصار : قولهم إن القذف لا يصح إلا بالتصريح فهو باطل بسائر الألسنة ما عدا العربية ، فكذلك إشارة الأخرس . وما ذكروه من الاجماع في شهادة الأخرس فغلط . وقد نص مالك أن شهادته مقبولة إذا فهمت إشارته ، وأنها تقوم مقام اللفظ بالشهادة ، وأما مع القدرة باللفظ فلا تقع منه إلا باللفظ . قال ابن المنذر : والمخالفون يلزمون الأخرس الطلاق والبيوع وسائر الأحكام ، فينبغي أن يكون القذف مثل ذلك . قال المهلب : وقد تكون الإشارة في كثير من أبواب الفقه أقوى من الكلام مثل قوله عليه الصلاة والسلام : ( بعثت أنا والساعة كهاتين ) نعرف قرب ما بينهما بمقدار زيادة الوسطى على السبابة . وفي إجماع العقول على أن العيان أقوى من الخبر دليل على أن الإشارة قد تكون في بعض المواضع أقوى من الكلام . ( والسلام علي ) أي السلامة علي من الله تعالى . قال الزجاج : ذكر السلام قبل هذا بغير ألف ولام فحسن في الثانية ذكر الألف واللام . وقوله : ( يوم ولدت ) يعني في الدنيا . وقيل : من همز الشيطان كما تقدم في " آل عمران " ( 1 ) . ( ويوم أموت ) يعني

--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 81 وص 68 .