القرطبي
101
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : فقد دل الحديث الصحيح أنه كان بين موسى وعيسى وهارون زمان مديد . الزمخشري : كان بينهما وبينه ألف سنة أو أكثر فلا يتخيل أن مريم كانت أخت موسى وهارون ، وإن صح فكما قال السدي لأنها كانت من نسله ، وهذا كما تقول للرجل من قبيلة : يا أخا فلان . ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : ( إن أخا صداء ( 1 ) قد أذن فمن أذن فهو يقيم ) وهذا هو القول الأول . ابن عطية : وقالت فرقة بل كان في ذلك الزمان رجل فاجر اسمه هارون فنسبوها إليه على جهة التعيير والتوبيخ ، ذكره الطبري ولم يسم قائله . قلت : ذكره الغزنوي عن سعيد بن جبير أنه كان فاسقا مثلا في الفجور فنسبت إليه . والمعنى : ما كان أبوك ولا أمك أهلا لهذه الفعلة فكيف جئت أنت بها ؟ ! وهذا من التعريض الذي يقوم مقام التصريح . وذلك يوجب عندنا الحد وسيأتي في سورة " النور " القول فيه إن شاء الله تعالى ( 2 ) . وهذا القول الأخير يرده الحديث الصحيح ، وهو نص صريح فلا كلام لاحد معه ، ولا غبار عليه . والحمد لله . وقرأ عمر بن لجأ التيمي : ( ما كان أباك امرؤ ( 3 ) سوء ) . قوله تعالى : فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ( 29 ) قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ( 30 ) وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ( 31 ) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا ( 32 ) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ( 33 ) فيه خمس مسائل الأولى - قوله تعالى : ( فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ) التزمت مريم عليها السلام ما أمرت به من ترك الكلام ، ولم يرد في هذه الآية أنها نطقت
--> ( 1 ) هو زياد بن الحرث الصدائي كان قد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذن لصلاة الفجر فأذن فأراد بلال أن يقيم فقال صلى الله عليه وسلم : " إن أخا صداء قد أذن . . . " الحديث . ( 2 ) راجع ج 12 ص 159 فما بعده ( 3 ) قال في ( البحر ) : يجعل الخبر المعرفة والاسم النكرة وحسن ذلك قليلا كونها فيها مسوغ جواز الابتداء بالنكرة وهو الإضافة .