القرطبي

97

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنينهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتهم العذاب من حيث لا يشعرون ( 26 ) قوله تعالى : ( قد مكر الذين من قبلهم ) أي سبقهم بالكفر أقوام مع الرسل المتقدمين فكانت العاقبة الجميلة للرسل . ( فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم ) قال ابن عباس وزيد بن أسلم وغيرهما : إنه النمروذ بن كنعان وقومه ، أرادوا صعود السماء وقتال أهله ، فبنوا الصرح ليصعدوا منه بعد أن صنع بالنسور ما صنع ، فخر . كما تقدم بيانه في آخر سورة " إبراهيم ( 1 ) " . ومعنى " فأتى الله بنيانهم " أي أتى أمره البنيان ، إما زلزلة أو ريحا فخربته . قال ابن عباس ووهب : كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع ، وعرضه ثلاثة آلاف . وقال كعب ومقاتل : كان طول فرسخين ، فهبت ريح فألقت رأسه في البحر وخر عليهم الباقي . ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع يومئذ ، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا ، فلذلك سمى بابل ، وما كان لسان قبل ذلك إلا السريانية . وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة ( 2 ) " وقرأ ابن هرمز وابن محيصن " السقف " بضم السين والقاف جميعا . وضم مجاهد السين وأسكن القاف تخفيفا ، كما تقدم في " وبالنجم " في الوجهين . والأشبه أن يكون جمع سقف . والقواعد : أصول البناء ، وإذا اختلت القواعد سقط البناء . وقوله : ( من فوقهم ) قال ابن الأعرابي : وكد ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته . والعرب تقول : خر علينا سقف ووقع علينا حائط إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه . فجاء بقوله : " من فوقهم " ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب فقال : " من فوقهم " أي عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما أفلتوا . وقيل : إن المراد بالسقف السماء ، أي إن العذاب أتاهم من السماء التي هي فوقهم ، قال ابن عباس . وقيل : إن قوله : " فأتى الله بنيانهم من

--> ( 1 ) راجع ج 9 ص 381 . ( 2 ) راجع ج 1 ص 283 .