القرطبي
91
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : وفى هذه الآية أدل دليل على استعمال الأسباب ، وقد كان قادرا على سكونها دون الجبال . وقد تقدم هذا المعنى . ( وأنهارا ) أي وجعل فيها أنهارا ، أو ألقى فيها أنهارا . ( وسبلا ) أي طرقا ومسالك . ( لعلكم تهتدون ) أي إلى حيث تقصدون من البلاد فلا تضلون ولا تتحيرون . قوله تعالى : وعلمت وبالنجم هم يهتدون ( 16 ) فيه ثلاث مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( وعلامات ) قال ابن عباس : العلامات معالم الطرق بالنهار ، أي جعل للطريق علامات يقع الاهتداء بها . ( وبالنجم هم يهتدون ) يعنى بالليل ، والنجم يراد به النجوم . وقرأ ابن وثاب " وبالنجم " . الحسن : بضم النون والجيم جميعا ومراده النجوم ، فقصره ، كما قال الشاعر : إن الفقير بيننا قاض حكم * أن ترد الماء إذا غاب النجم وكذلك القول لمن قرأ " النجم " إلا أنه سكن استخفافا . ويجوز أن يكون النجم جمع نجم كسقف وسقف . واختلف في النجوم ، فقال الفراء : الجدي والفرقدان . وقيل : الثريا . قال الشاعر : حتى إذا ما استقل النجم في غلس * وغودر البقل ملوي ومحصود ( 1 ) أي منه ملوي ومنه محصود ، وذلك عند طلوع الثريا يكون . وقال الكلبي : العلامات الجبال . وقال مجاهد : هي النجوم ، لان من النجوم ما يهتدى بها ، ومنها ما يكون علامة لا يهتدى بها ، وقاله قتادة والنخعي . وقيل : تم الكلام عند قوله : " وعلامات " ثم ابتدأ وقال : " وبالنجم هم يهتدون " . وعلى الأول : أي وجعل لكم علامات ونجو ما تهتدون بها . ومن العلامات الرياح يهتدى بها . وفى المراد بالاهتداء قولان : أحدهما - في الاسفار ،
--> ( 1 ) البيت لذي الرمة . ومعنى " استقل " طلع في آخر الليل . وفى ديوانه : " أحصد " بدل " غودر " . وأحصد : حان حصاده .