القرطبي
8
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون ( 14 ) لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ( 15 ) يقال : ظل يفعل كذا ، أي يفعله بالنهار . والمصدر الظلول . أي لو أجيبوا إلى ما اقترحوا من الآيات لأصروا على الكفر وتعللوا بالخيالات ، كما قالوا للقرآن المعجز : إنه سحر . " يعرجون " من عرج يعرج أي صعد . والمعارج المصاعد . أي لو صعدوا إلى السماء وشاهدوا الملكوت والملائكة لأصروا على الكفر ، عن الحسن وغيره . وقيل : الضمير في " عليهم " للمشركين . وفى " فظلوا " للملائكة ، تذهب وتجئ أي لو كشف لهؤلاء حتى يعاينوا أبوابا في السماء تصعد فيها الملائكة وتنزل لقالوا : رأينا بأبصارنا ما لا حقيقة له ، عن ابن عباس وقتادة . ومعنى ( سكرت ) سدت بالسحر ، قاله ابن عباس والضحاك . وقال الحسن : سحرت . الكلبي : أغشيت أبصارنا ، وعنه أيضا عميت . قتادة : أخذت . وقال المؤرج : دير بنا ، من الدوران ، أي صارت أبصارنا سكرى . جويبر : خدعت . وقال أبو عمرو بن العلاء : " سكرت " غشيت وغطيت . ومنه قول الشاعر : وطلعت شمس عليها مغفر * وجعلت عين الحرور تسكر وقال مجاهد : " سكرت " حبست . ومنه قول أوس بن حجر : فصرت على ليلة ساهره * فليست بطلق ولا ساكره قلت : وهذه أقوال متقاربة يجمعها قولك : منعت . قال ابن عزيز : " سكرت أبصارنا " سدت أبصارنا ، هو من قولك ، سكرت النهر إذا سددته . ويقال : هو من سكر الشراب ، كأن العين يلحقها ما يلحق الشارب إذا سكر . وقرأ ابن كثير " سكرت " بالتخفيف . والباقون بالتشديد . قال ابن الأعرابي : سكرت ملئت ( 2 ) . قال المهدوي : والتخفيف والتشديد
--> ( 1 ) في اللسان مادة سكر : " جذلت " بالجيم والذال المفتوحتين ، ومعنى " جذل " انتصب وثبت لا يبرح . وليلة طلق : مشرق لا برد فيها ولا حر ، ولا مطر ولا قر . ( 2 ) عبارة أبن الأعرابي كما في نسخ الأصل : ( سكرت مئلت ، وسكرت ملكت ) ولم نر ما يؤيد هذا ، ولعله تكرير من النساخ مع تحريف .