القرطبي

87

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فجاء بها من در ة لطمية * على وجهها ماء الفرات يدوم ( 1 ) فجعلها من الماء الحلو . فالحلية حق وهي نحلة الله تعالى لآدم وولده . خلق آدم وتوج وكلل بإكليل الجنة ، وختم بالخاتم الذي ورثه عنه سليمان بن داود صلوات الله عليهم ، وكان يقال له خاتم العز فيما روى . الخامسة - لامتن الله سبحانه على الرجال والنساء امتنانا عاما بما يخرج من البحر ، فلا يحرم عليهم شئ منه ، وإنما حرم الله تعالى على الرجال الذهب والحرير : روى الصحيح عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " . وسيأتي في سورة " الحج " الكلام فيه إن شاء الله ( 2 ) . وروى البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ذهب ، وجعل فصه مما يلي باطن كفه ، ونقش فيه محمد رسول الله ، فاتخذ الناس مثله ، فلما رآهم قد اتخذوها رمى به وقال : " لا ألبسه أبدا " ثم اتخذ خاتما من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة . قال ابن عمر : فلبس الخاتم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ، حتى وقع من عثمان في بئر أريس ( 3 ) . قال أبو داود : لم يختلف الناس على عثمان حتى سقط الخاتم من يده . وأجمع العلماء على جواز التختم بالورق على الجملة للرجال . قال الخطابي . وكره للنساء التختم بالفضة ، لأنه من زي الرجال ، فإن لم يجدن ذهبا فليصفرنه بزعفران أو بشبهه . وجمهور العلماء من السلف والخلف على تحريم اتخاذ الرجال خاتم الذهب ، إلا ما روى عن أبي بكر بن عبد الرحمن وخباب ، وهو خلاف شاذ ، وكل منهما لم يبلغهما النهى والنسخ . والله أعلم . وأما ما رواه أنس بن مالك أنه رأى في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق يوما واحدا ، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتم ، من ورق ولبسوها ، فطرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه فطرح الناس خواتيمهم - أخرجه الصحيحان واللفظ للبخاري - فهو عند العلماء

--> ( 1 ) اللطيمة : الجمال التي تحمل العطر . وقيل : اللطيمة العنبرة التي لطمت بالمسك فتفتقت به حتى نشبت رائحتها ، وهي اللطيمة . ( 2 ) راجع ج 12 ص 28 . ( 3 ) حديقة بالقرب من مسجد قباء .