القرطبي

76

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الخامسة - قال ابن القاسم وابن وهب قال مالك قال الله تعالى : " والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة " فجعلها للركوب والزينة ولم يجعلها للاكل ، ونحوه عن أشهب . ولهذا قال أصحابنا : لا يجوز أكل لحوم الخيل والبغال والحمير ، لان الله تعالى لما نص على الركوب والزينة دل على ما عداه بخلافه . وقال في الانعام : " ومنها تأكلون " مع ما أمتن الله منها من الدف ء والمنافع ، فأباح لنا أكلها بالذكاة المشروعة فيها . وبهذه الآية احتج ابن عباس والحكم بن عيينة ، قال الحكم : لحوم الخيل حرام في كتاب الله ، وقرأ هذه الآية والتي قبلها وقال : هذه للاكل وهذه للركوب . وسئل ابن عباس عن لحوم الخيل فكرهها ، وتلا هذه الآية وقال : هذه للركوب ، وقرأ الآية التي قبلها " والانعام خلقها لكم فيها دف ء ومنافع " ثم قال : هذه للاكل . وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والأوزاعي ومجاهد وأبو عبيد وغيرهم ، واحتجوا بما أخرجه أبو داود والنسائي والدارقطني وغيرهم عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير ، وكل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير . لفظ الدارقطني . وعند النسائي أيضا عن خالد بن الوليد أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير " . وقال الجمهور من الفقهاء والمحدثين : هي مباحة . وروى عن أبي حنيفة . وشذت طائفة فقالت بالتحريم ، منهم الحكم كما ذكرنا ، وروى عن أبي حنيفة . حكى الثلاث روايات عنه الروياني في بحر المذهب على مذهب الشافعي . قلت : الصحيح الذي يدل عليه النظر والخبر جواز أكل لحوم الخيل ، وأن الآية والحديث لا حجة فيهما لازمة . أما الآية فلا دليل فيها على تحريم الخيل . إذ لو دلت عليه لدلت على تحريم لحوم الحمر ، والسورة مكية ، وأي حاجة كانت إلى تجديد تحريم لحوم الحمر عام يبر وقد ثبت في الاخبار تحليل الخيل على ما يأتي . وأيضا لما ذكر تعالى الانعام ذكر الأغلب من منافعها وأهم ما فيها ، وهو حمل الأثقال والاكل ، ولم يذكر الركوب ولا الحرث بها ولا غير ذلك مصرحا به ، وقد تركب ويحرث بها ، قال الله تعالى : " الذي جعل لكم الانعام لتركبوا