القرطبي
71
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أمر يدركه البصر ويلقيه إلى القلب متلائما ، فتتعلق به النفس من غير معرفة بوجه ذلك ولا نسبته لاحد من البشر . وأما جمال الأخلاق فكونها على الصفات المحمودة من العلم والحكمة والعدل والعفة ، وكظم الغيظ وإرادة الخير لكل أحد . وأما جمال الافعال فهو وجودها ملائمة لمصالح الخلق وقاضية لجلب المنافع فيهم وصرف الشر عنهم . وجمال الانعام والدواب من جمال الخلقة ، وهو مرئي بالابصار موافق للبصائر . ومن جمالها كثرتها وقول الناس إذا رأوها هذه نعم فلان ، قاله السدى . ولأنها إذا راحت توفر حسنها وعظم شأنها وتعلقت القلوب بها ، لأنها إذ ذاك أعظم ما تكون أسنمة وضروعا ، قاله قتادة . ولهذا المعنى قدم الرواح على السراح لتكامل درها وسرور النفس بها إذ ذاك . والله أعلم . وروى أشهب عن مالك قال : يقول الله عز وجل " ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون " وذلك في المواشي حين تروح إلى المرعى وتسرح عليه . والرواح رجوعها بالعشي من المرعى ، والسراح بالغداة ، تقول : سرحت الإبل أسرحها سرحا وسروحا إذا غدوت بها إلى المرعى فخليتها ، وسرحت هي . المتعدى واللازم واحد . قوله تعالى : وتحمل أثقالكم إلى البلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم ( 7 ) فيه ثلاث مسائل : قوله تعالى : ( وتحمل أثقالكم ) الأثقال أثقال الناس من متاع وطعام وغيره ، وهو ما يثقل الانسان حمله . وقيل : المراد أبدانهم ، يدل على ذلك قوله تعالى : " وأخرجت الأرض أثقالها ( 1 ) " والبلد مكة ، في قول عكرمة . وقيل : هو محمول على العموم في كل بلد مسلكه على الظهر . وشق الأنفس : مشقتها وغاية جهدها . وقراءة العامة بكسر الشين . قال الجوهري : والشق المشقة ، ومنه قوله تعالى : " لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس "
--> ( 1 ) راجع ج 20 ص 147 ، ولعل الأثقال في الزلزلة : الكنوز .