القرطبي
44
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ومن العلامات ما يبدو ظاهرا لكل أحد وبأول نظرة ، ومنها ما يخفى فلا يبدو لكل أحد ولا يدرك ببادئ النظر . قال الحسن : المتوسمون هم الذين يتوسمون الأمور فيعلمون أن الذي أهلك قوم لوط قادر على أن يهلك الكفار ، فهذا من الدلائل الظاهرة . ومثله قول ابن عباس : ما سألني أحد عن شئ إلا عرفت أفقيه هو أو غير فقيه . وروى عن الشافعي ومحمد بن الحسن أنهما كانا بفناء الكعبة ورجل على باب المسجد فقال أحدهما : أراه نجارا ( 1 ) ، وقال الآخر : بل حدادا ، فتبادر من حضر إلى الرجل فسأله فقال : كنت نجارا ( 1 ) وأنا اليوم حداد . وروى عن جندب بن عبد الله البجلي أنه أتى على رجل يقرأ القرآن فوقف فقال : من سمع سمع الله به ، ومن راءى راءى الله به . فقلنا له : كأنك عرضت بهذا الرجل ، فقال : إن هذا يقرأ عليك القرآن اليوم ويخرج غدا حروريا ، فكان رأس الحرورية ، واسمه مرداس . وروى عن الحسن البصري أنه دخل عليه عمرو بن عبيد فقال : هذا سيد فتيان البصرة إن لم يحدث ، فكان من أمره من القدر ما كان ، حتى هجره عامة إخوانه . وقال لأيوب : هذا سيد فتيان أهل البصرة ، ولم يستثن . وروى عن الشعبي أنه قال لداود الأزدي وهو يماريه : إنك لا تموت حتى تكوى في رأسك ، وكان كذلك . وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل عليه قوم من مذحج فيهم الأشتر ، فصعد فيه النظر وصوبه وقال : أيهم هذا ؟ قالوا : مالك بن الحارث . فقال : ما له قاتله الله ! إني لأرى للمسلمين منه . يوما عصيبا ، فكان منه في الفتنة ما كان . وروى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه : أن أنس بن مالك دخل عليه ، وكان قد مر بالسوق فنظر إلى امرأة ، فلما نظر إليه قال عثمان : يدخل أحدكم على وفى عينيه أثر الزنى فقال له أنس : أوحيا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال لا ولكن برهان وفراسة وصدق ) . ومثله كثير عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين . الثانية - قال ( القاضي ( 2 ) أبو بكر بن العربي : " إذا ثبت أن التوسم والتفرس من مدارك المعاني فإن ذلك لا يترتب عليه حكم ولا يؤخذ به موسوم ولا متفرس . وقد كان قاضي القضاة الشامي المالكي ببغداد أيام كوني بالشام يحكم بالفراسة في الاحكام ، جريا على طريق إياس
--> ( 1 ) في ى : تاجرا . ( 2 ) من ى .