القرطبي

401

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الدنيا بعد ما يكون مصيره إلى هذا ، وأراه منازل الكافر في جهنم فقال : وعزتك لا ينفعه ما أصابه من الدنيا بعد أن يكون مصيره إلى هذا . ثم إن الله تعالى توفى المؤمن وأهلك الكافر بعذاب من عنده ، فلما استقر المؤمن في الجنة ورأى ما أعد الله له أقبل هو وأصحابه يتساءلون ، فقال : " إني كان لي قرين . يقول أإنك لمن المصدقين ( 1 ) الآية ، فنادى مناد : يا أهل الجنة ! هل أنتم مطلعون فاطلع إلى جهنم فرآه في سواء الجحيم ، فنزلت " واضرب لهم مثلا " . بين الله تعالى حال الأخوين في الدنيا في هذه السورة ، وبين حالهما في الآخرة في سورة " الصافات " في قول " إني كان لي قرين . يقول أإنك لمن المصدقين - إلى قوله - لمثل هذا فليعمل العاملون " . قال ابن عطية : وذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه في عجائب البلاد أن بحيرة تنيس كانت هاتين الجنتين ، وكانتا لأخوين فباع أحدهما نصيبه من الآخر فأنفق في طاعة الله حتى غيره الآخر ، وجرت بينهما المحاورة فغرقها الله تعالى في ليلة ، وإياها عنى بهذه الآية . وقد قيل : إن هذا مثل ضربه الله تعالى لهذه الأمة ، وليس بخبر عن حال متقدمة ، لتزهد في الدنيا وترغب في الآخرة ، وجعله زجرا وإنذارا ، ذكره الماوردي . وسياق الآية يدل على خلاف هذا ، والله أعلم . قوله تعالى : ( وحففناهما بنخل ) أي أطفناهما من جوانبهما بنخل . والحفاف الجانب ، وجمعه أحفة ، ويقال : حف القوم بفلان يحفون حفا ، أي طافوا به ، ومنه " حافين من حول العرش ( 2 ) " ( وجعلنا بينهما زرعا ) أي جعلنا حول الأعناب النخل ، ووسط الأعناب الزرع . ( كلتا الجنتين ) أي كل واحدة من الجنتين ، ( آتت أكلها ) تاما ، ولذلك لم يقل آتنا . واختلف في لفظ " كلتا وكلا " هل هو مفرد أو مثنى ، فقال أهل البصرة : هو مفرد ، لان كلا وكلتا في توكيد الاثنين نظير " كل " في المجموع ، وهو اسم مفرد غير مثنى ، فإذا ولى ( 3 ) اسما ظاهرا كان في الرفع والنصب والخفض على حالة واحدة ، تقول : رأيت كلا الرجلين وجاءني كلا الرجلين ومررت بكلا الرجلين ، فإذا اتصل بمضمر قلبت الألف ياء في موضع الجر والنصب ، تقول :

--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 81 فما بعد . ( 2 ) راجع ج 15 ص 84 2 فما بعد . ( 3 ) كذا في الأصول والصحاح للجوهري وقد نقله عنه صاحب اللسان . وكان الأولى أنى قال : " فإذا وليه اسم ظاهر . . . " .