القرطبي
360
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فألقى إليه بكل أمره ، وعرف ذلك الرجل فتيان من [ أهل ] ( 1 ) المدينة فعرفهم الله تعالى فآمنوا به واتبعوه على دينه . واشتهرت خلطتهم به ، فأتى يوما إلى ذلك الحمام ولد الملك بامرأة أراد الخلوة ( 2 ) بها ، فنهاه ذلك الحوارى فانتهى ، ثم جاء مرة أخرى فنهاه فشتمه ، وأمضى عزمه في دخول الحمام مع البغى ، فدخل فماتا فيه جميعا ، فاتهم ذلك الحوارى وأصحابه بقتلهما ، ففروا جميعا حتى دخلوا الكهف . وقيل في خروجهم غير هذا . وأما الكلب فروى أنه كان كلب صيد لهم ، وروى أنهم وجدوا في طريقهم راعيا له كلب فاتبعهم الراعي على رأيهم وذهب الكلب معهم ، قال ابن عباس . واسم الكلب حمران وقيل قطمير . وأما أسماء أهل الكهف فأعجمية ، والسند في معرفتها واه . والذي ذكره الطبري هي هذه : مكسلمينا وهو أكبرهم والمتكلم عنهم ، ومحسيميلنينا ويمليخا ، وهو الذي مضى بالورق إلى المدينة عند بعثهم من رقدتهم ، ومرطوس وكشوطوش ودينموس ويطونس وبيرونس . قال مقاتل : وكان الكلب لمكسلمينا ، وكان أسنهم وصاحب غنم . الثانية - هذه الآية صريحة في الفرار بالدين وهجرة الأهل والبنين والقرابات والأصدقاء والأوطان والأموال خوف الفتنة وما يلقاه الانسان من المحنة . وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم فارا بدينه ، وكذلك أصحابه ، وجلس في الغار حسبما تقدم ( 3 ) في سورة " النحل " . وقد نص الله تعالى على ذلك في " براءة " وقد تقدم ( 4 ) . وهجروا أوطانهم وتركوا أرضهم وديارهم وأهاليهم وأولادهم وقراباتهم وإخوانهم ، رجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة الكافرين . فسكنى الجبال ودخول الغيران ، والعزلة عن الخلق والانفراد بالخالق ، وجواز الفرار من الظالم هي سنة الأنبياء صلوات الله عليهم والأولياء . وقد فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم العزلة ، وفضلها جماعة العلماء لا سيما عند ظهور الفتن وفساد الناس ، وقد نص الله تعالى عليها في كتابه فقال : " فأووا إلى الكهف " .
--> ( 1 ) من ج : ( 2 ) في ج : الدخول بها . ( 3 ) في ج : ما قدمناه . راجع ص 159 من هذا الجزء . ( 4 ) راجع ج 8 ص 143 وما بعدها .