القرطبي

348

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

يا جبريل حتى سؤت ظنا " فقال له جبريل : " وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا ( 1 ) " . فافتتح السورة تبارك وتعالى بحمده ، وذكر نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم لما أنكروا عليه من ذلك فقال : " الحمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب " يعنى محمدا ، إنك رسول منى ، أي تحقيق لما سألوا عنه من نبوتك . " ولم يجعل له عوجا قيما " أي معتدلا لا اختلاف فيه . " لينذر بأسا شديدا من لدنه " أي عاجل عقوبته في الدنيا ، وعذابا أليما في الآخرة ، أي من عند ربك الذي بعثك رسولا . " ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ، أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا " أي دار الخلد لا يموتون فيها ، الذين صدقوك بما جئت به مما كذبك به غيرهم ، وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال . " وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا " يعنى قريشا في قولهم : إنا نعبد الملائكة وهي بنات الله . " ما لهم به من علم ولا لآبائهم " الذين أعظموا فراقهم وعيب دينهم . " كبرت كلمة تخرج من أفواههم " أي لقولهم إن الملائكة بنات الله . " إن يقولون إلا كذبا . فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا " لحزنه عليهم حين فاته ما كان يرجوه منهم ، أي لا تفعل . فال ابن هشام : " باخع نفسك " مهلك نفسك ، فيما حدثني أبو عبيدة . قال ذو الرمة : ألا أي هذا الباخع الوجد نفسه * بشئ نحته عن يديه المقادر وجمعها باخعون وبخعة . وهذا البيت في قصيدة ( 2 ) له . وقول العرب : قد بخعت له نصحي ونفسي ، أي جهدت له . " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا " قال ابن إسحاق : أي أيهم اتبع لأمري وأعمل بطاعتي : " وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا " أي الأرض ، وإن ما عليها لفان وزائل ، وإن المرجع إلى فأجزي كلا بعمله ، فلا تأس ولا يحزنك ما ترى وتسمع فيها . قال ابن هشام : الصعيد وجه الأرض ، وجمعه صعد . قال ذو الرمة يصف ظبيا صغيرا :

--> ( 1 ) راجع ج 11 ص 128 . ( 2 ) مطلعها : لمبة أطلال بحزوى دوائر * عفتها السوافي بعدنا والمواطر