القرطبي

29

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : لعل قائلا يقول : قد أخبر الله عن صفة آدم وحواء عليهما السلام بقوله : " فأزلهما الشيطان ( 1 ) " ، وعن جملة من أصحاب نبيه بقوله : " إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ( 2 ) " فالجواب ما ذكر ، وهو أنه ليس له سلطان على قلوبهم ، ولا موضع إيمانهم ، ولا يلقيهم في ذنب يؤول إلى عدم القبول ( 3 ) ، بل تزيله التوبة وتمحوه الأوبة . ولم يكن خروج آدم عقوبة لما تناول ، على ما تقدم في " البقرة ( 1 ) " بيانه . وأما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى القول عنهم في آل عمران ( 2 ) . ثم إن قوله سبحانه : " ليس لك عليهم سلطان " يحتمل أن يكون خاصا فيمن حفظه الله ، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات والأحوال ، وقد يكون في تسلطه تفريج كربة وإزالة غمة ، كما فعل ببلال ، إذ أتاه يهديه كما يهدى الصبي حتى نام ، ونام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس ، وفزعوا وقالوا : ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا ؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : " ليس في النوم تفريط " ففرج عنهم . ( إلا من أتبعك من الغاوين ) أي الضالين المشركين . أي سلطانه على هؤلاء ، دليله " إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ( 4 ) " . الثانية - وهذه الآية والتي قبلها دليل على جواز استثناء القليل من الكثير والكثير من القليل ، مثل أن يقول : عشرة إلا درهما . أو يقول : عشرة إلا تسعة . وقال أحمد ابن حنبل : لا يجوز أن يستثنى إلا قدر النصف فما دونه . وأما استثناء الأكثر من الجملة فلا يصح . ودليلنا هذه الآية ، فإن فيها استئتاء " الغاوين " من العباد والعباد من الغاوين ، وذلك يدل على أن استثناء الأقل من الجملة واستثناء الأكثر من الجملة جائز . قوله تعالى : وإن جهنم لموعدهم أجمعين ( 43 ) لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ( 44 )

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 11 وص 321 وج‍ 4 ص 24 . ( 2 ) راجع ج 4 ص 243 . ( 3 ) في ى : العفو ( 4 ) راجع ص 175 من هذا الجزء .