القرطبي

282

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ) قال ابن عباس : الناس هنا أهل مكة ، وإحاطته بهم إهلاكه إياهم ، أي أن الله سيهلكهم . وذكره بلفظ الماضي لتحقق كونه . وعنى بهذا الاهلاك الموعود ما جرى يوم بدر ويوم الفتح . وقيل : معنى " أحاط بالناس " أي أحاطت قدرته بهم ، فهم في قبضته لا يقدرون على الخروج من مشيئته ، قاله مجاهد وابن أبي نجيح . وقال الكلبي : المعنى أحاط علمه بالناس . وقيل : المراد عصمته من الناس أن يقتلوه حتى يبلغ رسالة ربه ، أي وما أرسلناك عليهم حفيظا ، بل عليك التبليغ ، فبلغ بجدك فإنا نعصمك منهم ونحفظك ، فلا تهبهم ، وامض لما آمرك به من تبليغ الرسالة ، فقدرتنا محيطة بالكل ، قال معناه الحسن وعروة وقتادة وغيرهم . قوله تعالى : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) لما بين أن إنزال آيات القرآن تتضمن التخويف ضم إليه ذكر آية الاسراء ، وهي المذكورة في صدر السورة . وفى البخاري والترمذي عن ابن عباس في قوله تعالى : " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس " قال : هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به إلى بيت المقدس . قال : " والشجرة الملعونة في القرآن " هي شجرة الزقوم . قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث صحيح . وبقول ابن عباس قالت عائشة ومعاوية والحسن ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والضحاك وابن أبي نجيح وابن زيد . وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسرى به . وقيل : كانت رؤيا نوم . وهذه الآية تقضى بفساده ، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها ، وما كان أحد لينكرها . وعن ابن عباس قال : الرؤيا التي في هذه الآية هي رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يدخل مكة في سنة الحديبية ، فرد فافتتن المسلمون لذلك ، فنزلت الآية ، فلما كان العام المقبل دخلها ، وأنزل الله تعالى " لقد صدق الله رسوله الرويا بالحق ( 1 ) " . وفى هذا التأويل ضعف ، لان السورة مكية وتلك الرؤيا كانت بالمدينة . وقال في رواية ثالثة : إنه عليه السلام رأى في المنام بنى مروان ينزون

--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 289 .