القرطبي

260

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فالانسان راع على جوارحه ، فكأنه قال كل هذه كان الانسان عنه مسؤولا ، فهو على حذف مضاف . والمعنى الأول أبلغ في الحجة ، فإنه يقع تكذيبه من جوارحه ، وتلك غاية الخزي ، كما قال : " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ( 1 ) " ، وقوله " شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ( 1 ) " . وعبر عن السمع والبصر والفؤاد بأولئك لأنها حواس لها إدراك ، وجعلها في هذه الآية مسؤولة ، فهي حالة من يعقل ، فلذلك عبر عنها بأولئك . وقال سيبويه رحمه الله في قوله تعالى : " رأيتهم لي ساجدين " : إنما قال : " رأيتهم " في نجوم ، لأنه لما وصفها بالسجود وهو من فعل من يعقل عبر عنها بكناية من يعقل ، وقد تقدم ( 2 ) . وحكى الزجاج أن العرب تعبر عما يعقل وعما لا يعقل بأولئك ، وأنشد هو والطبري : ذم المنازل بعد منزلة اللوى * والعيش بعد أولئك الأيام وهذا أمر يوقف عنده . وأما البيت فالرواية فيه " الأقوام " والله أعلم . قوله تعالى : ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ( 37 ) كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ( 38 ) فيه خمس مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( ولا تمش في الأرض مرحا ) هذا نهى عن الخيلاء وأمر بالتواضع . والمرح : شدة الفرح . وقيل : التكبر في المشي . وقيل : تجاوز الانسان قدره . وقال قتادة : هو الخيلاء في المشي . وقيل : هو البطر والأشر . وقيل : هو النشاط وهذه الأقوال متقاربة ولكنها منقسمة قسمين : أحدهما مذموم والآخر محمود ، فالتكبر والبطر والخيلاء وتجاوز الانسان قدره مذموم والفرح والنشاط محمود . وقد وصف الله تعالى نفسه بأحدهما ، ففي الحديث الصحيح " لله أفرج بتوبة العبد من رجل . . . " الحديث . والكسل

--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 48 ، وص 349 . ( 2 ) راجع ج 9 ص 122 .