القرطبي

232

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

غرق الكفار . وهذه الآية أيضا يعطى احتمال ألفاظها نحو هذا في الذين لم تصلهم رسالة ، وهم أهل الفترات الذين قد قدر وجودهم بعض أهل العلم . وأما ما روى من أن الله تعالى يبعث إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديث لم يصح ، ولا يقتضى ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف . قال المهدوي : وروى عن أبي هريرة أن الله عز وجل يبعث يوم القيامة رسولا إلى أهل الفطرة والأبكم والأخرس والأصم ، فيطيعه منهم من كان يريد أن يطيعه في الدنيا ، وتلا الآية ، رواه معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة ، ذكره النحاس . قلت : هذا موقوف ، وسيأتي مرفوعا في آخر سورة طه إن شاء الله تعالى ، ولا يصح . وقد استدل قوم في أن أهل الجزائر إذا سمعوا بالاسلام وآمنوا فلا تكليف عليهم فيما مضى ، وهذا صحيح ، ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحق للعذاب من جهة العقل ، والله أعلم . قوله تعالى : وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ( 16 ) فيه ثلاث مسائل : الأولى - أخبر الله تعالى في الآية التي قبل أنه لم يهلك القرى قبل ابتعاث الرسل ، لا لأنه يقبح منه ذلك إن فعل ، ولكنه وعد منه ، وخلف في وعده . فإذا أراد إهلاك قرية مع تحقيق وعده على ما قاله تعالى أمر مترفيها بالفسق ( 1 ) والظلم فيها فحق عليها القول بالتدمير . يعلمك أن من هلك ( فإنما ) هلك بإرادته ، فهو الذي يسبب الأسباب ويسوقها إلى غاياتها ليحق القول السابق من الله تعالى . الثانية - قوله تعالى : ( أمرنا ) قرأ أبو عثمان النهدي وأبو رجاء وأبو العالية ، والربيع ومجاهد والحسن " أمرنا " بالتشديد ، وهي قراءة علي رضي الله عنه ، أي سلطنا شرارها فعصوا فيها ، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم . وقال أبو عثمان النهدي " أمرنا " بتشديد الميم ، جعلناهم

--> ( 1 ) المحققون على ما قال ابن عباس كما في البحر : أمرناهم فعصوا وفسقوا وسيأتي . وهذا هو المطابق كقوله تعالى إن الله لا يأمر بالفحشاء . أما ما ذكره القرطبي كالزمخشري فيحتاج إلى تأويل . محققة . ( 2 ) من ج وى .