القرطبي
221
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الناس يقول : لما قتلوا زكريا - بعث الله إليهم ملكا من ملوك بابل يقال له : خردوس ( 1 ) ، فسار إليهم بأهل بابل وظهر عليهم بالشأم ، ثم قال لرئيس جنوده : كنت حلفت بإلهي لئن أظهرني الله على بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري ، وأمر أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم ، فدخل الرئيس بيت المقدس فوجد فيها دماء تغلي ، فسألهم فقالوا : دم قربان قربناه فلم يتقبل منا منذ ثمانين ( 2 ) سنة . قال ما صدقتموني ، فذبح على ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلا من رؤسائهم فلم يهدأ ، فأتى بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحوا على الدم فلم يهدأ ، فأمر بسبعة آلاف من سبيهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد ، فقال : يا بني إسرائيل ، أصدقوني قبل ألا أترك منكم نافخ نار من أنثى ولا من ذكر إلا قتلته . فلما رأوا الجهد قالوا : إن هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله فقتلناه ، فهذا دمه ، كان اسمه يحيى بن زكريا ، ما عصى الله قط طرفة عين ولا هم بمعصية . فقال : الآن صدقتموني ، وخر ساجدا ثم قال : لمثل هذا ينتقم منكم ، وأمر بغلق الأبواب وقال : أخرجوا من كان ها هنا من جيش خردوس ، وخلا في بني إسرائيل وقال : يا نبي الله يا يحيى بن زكريا قد علم ربى وربك ما قد أصاب قومك من أجلك ، فاهدأ بإذن الله قبل ألا أبقى منهم أحدا . فهدأ دم يحيى بن زكريا بإذن الله عز وجل ، ورفع عنهم القتل وقال : رب إني آمنت بما آمن به بنو إسرائيل وصدقت به ، فأوحى الله تعالى إلى رأس من رؤوس الأنبياء : إن هذا الرئيس مؤمن صدوق . ثم قال : إن عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره ، وإني لا أعصيه ، فأمرهم فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الإبل والخيل والبغال والحمير والبقر والغنم فذبحوها حتى سال الدم إلى العسكر ، وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم ، ثم انصرف عنهم إلى بابل ، وقد كاد أن يفنى بني إسرائيل .
--> ( 1 ) في ج : جردوش . ولعله تحريف من الناسخ . ( 2 ) في تاريخ الطبري ص 721 : " منذ ثمنمائة سنة " . ( 3 ) زيادة عن تاريخ الطبري .