القرطبي
202
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ووقع في مسند ابن إسحاق أن هذا الحديث إنما ورد في رجل زنى بامرأة آخر ، ثم تمكن الآخر من زوجة الثاني بأن تركها عنده وسافر ، فاستشار ذلك الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الامر فقال له : " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " . وعلى هذا يتقوى قول مالك في أمر المال ، لان الخيانة لاحقة في ذلك ، وهي رذيلة لا انفكاك عنها ، فينبغي أن يتجنبها لنفسه ، فإن تمكن من الانتصاف من مال لم يأتمنه عليه فيشبه أن ذلك جائز وكأن الله حكم له ، كما لو تمكن الاخذ بالحكم من الحاكم . وقد قيل : إن هذه الآية منسوخة ، نسختها " واصبر وما صبرك إلا بالله " . الثالثة - في هذه الآية دليل على جواز التماثل في القصاص ، فمن قتل بحديدة قتل بها . ومن قتل بحجر قتل به ، ولا يتعدى قدر الواجب ، وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة " مستوفى ( 1 ) ، والحمد لله . الرابعة - سمى الله تعالى الأذايات في هذه الآية عقوبة ، والعقوبة حقيقة إنما هي الثانية ، وإنما فعل ذلك ليستوي اللفظان وتتناسب دباجة القول ، وهذا بعكس قوله : " ومكروا ومكر الله ( 2 ) " وقوله : " الله يستهزئ بهم ( 3 ) " فإن الثاني هنا هو المجاز والأول هو الحقيقة ، قاله ابن عطية . قوله تعالى : واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ( 127 ) إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ( 128 ) فيه مسألة واحدة - قال ابن زيد : هي منسوخة بالقتال . وجمهور الناس على أنها محكمة . أي اصبر بالعفو عن المعاقبة بمثل ما عاقبوا في المثلة . ( ولا تحزن عليهم ) أي على قتلى أحد فإنهم صاروا إلى رحمة الله . ( ولا تك في ضيق ) ضيق جمع ضيقة ، قال الشاعر : * كشف الضيقة عنا وفسح ( 4 ) *
--> ( 1 ) راجع ج 3 ص 355 . ( 2 ) راجع ج 4 ص 98 . ( 3 ) راجع ج 1 ص 207 ( 4 ) هذا عجز بيت للأعشى . وصدره في اللسان وديوانه : * قلئن ربك من رحمته *