القرطبي
187
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الخامسة عشرة - قال ابن العربي : ومن غريب الامر أن علماءنا اختلفوا في الاكراه على الحنث هل يقع به أم لا ، وهذه مسألة عراقية سرت لنا منهم ، لا كانت هذه المسألة ولا كانوا ! وأي فرق يا معشر أصحابنا بين الاكراه على اليمين في أنها لا تلزم وبين الحنث في أنه لا يقع ! فاتقوا الله وراجعوا بصائركم ، ولا تغتروا بهذه الروية فإنها وصمة في الدراية . السادسة عشرة - إذا أكره الرجل على أن يحلف وإلا أخذ له مال كأصحاب المكس وظلمة السعاة وأهل الاعتداء ، فقال مالك : لا تقية له في ذلك ، وإنما يدرأ المرء بيمينه عن بدنه لا ماله . وقال ابن الماجشون : لا يحنث وإن درأ عن ماله ولم يخف على بدنه . وقال ابن القاسم بقول مطرف ، ورواه عن مالك ، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ . قلت : قول ابن الماجشون صحيح ، لان المدافعة عن المال كالمدافعة عن النفس ، وهو قول الحسن وقتادة وسيأتي . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام " وقال : " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " . وروى أبو هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أرأيت إن جاء رجلا يريد أخذ مالي ؟ قال : " فلا تعطه مالك " . قال : أرأيت إن قاتلني ؟ قال : " قاتله " قال : أرأيت إن قتلني ؟ قال : " فأنت شهيد " قال : أرأيت إن قتلته ؟ قال : " هو في النار " خرجه مسلم ( 1 ) . وقد مضى الكلام فيه . وقال مطرف وابن الماجشون : وإن بدر الحالف بيمينه للوالي الظالم قبل أن يسألها ليذب بها عما خاف عليه من ماله وبدنه فحلف له فإنها تلزمه . وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ . وقال أيضا ابن الماجشون فيمن أخذه ظالم فحلف له بالطلاق البتة من غير أن يحلفه وتركه وهو كاذب ، وإنما حلف خوفا من ضربه وقتله وأخذ ماله : فإن كان إنما تبرع باليمين غلبة خوف ورجاء النجاة من ظلمه فقد دخل في الاكراه ولا شئ عليه ، وإن لم يحلف على رجاء النجاة فهو حانث . السابعة عشرة - قال المحققون من العلماء : إذا تلفظ المكره بالكفر فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلا مجرى المعاريض ، فإن في المعاريض ( 3 ) لمندوحة عن الكذب . ومتى لم يكن
--> ( 1 ) ويؤيد هذا ما رواه أحمد والترمذي عن ابن عمر " من قتل دون كاله فهو شهيد " كشفا الخفا ج 2 ص 296 . ( 2 ) المعاريض : التورية بالشئ عن الشئ . وأعرض الكلام ومعارضة ومعاريضه : كلام يشبه بعضه بعضا في المعاني .