القرطبي
183
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وجهه ، قال : وفيه نزلت " فأينما تولوا فثم وجه الله ( 1 ) " في رواية : ويوتر عليها ، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة . فإذا كان هذا مباحا في السفر في حالة الامن لتعب النزول عن الدابة للتنفل فكيف بهذا . واحتج من قصر الرخصة على القول بقول ابن مسعود : ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان إلا كنت متكلما به . فقصر الرخصة على القول ولم يذكر الفعل ، وهذا لا حجة فيه ، لأنه يحتمل أن يجعل الكلام مثالا وهو يريد أن الفعل في حكمه . وقالت طائفة : الاكراه في الفعل والقول سواء إذا أسر الايمان . روى ذلك عن عمر بن الخطاب ومكحول ، وهو قول مالك وطائفة من أهل العراق . روى ابن القاسم عن مالك أن من أكره على شرب الخمر وترك الصلاة أو الافطار في رمضان ، أن الاثم عنه مرفوع . السادسة - أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الاقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره ، ويصبر على البلاء الذي نزل به ، ولا يحل له أن يفدى نفسه بغيره ، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة . واختلف في الزنى ، فقال مطرف وأصبغ وابن عبد الحكم وابن الماجشون : لا يفعل أحد ذلك ، وإن قتل لم يفعله ، فإن فعله فهو آثم ويلزمه الحد ، وبه قال أبو ثور والحسن . قال ابن العربي : الصحيح أنه يجوز الاقدام على الزنى ولا حد عليه ، خلافا لمن ألزمه ذلك ، لأنه رأى أنها شهوة خلقية لا يتصور الاكراه عليها ، وغفل عن السبب في باعث الشهوة وهو الالجاء إلى ذلك ، وهو الذي أسقط حكمه ، وإنما يجب الحد على شهوة بعث عليها سبب اختياري ، فقاس الشئ على ضده ، فلم يحل بصواب من عنده . وقال ابن خويز منداد في أحكامه : اختلف أصحابنا متى أكره الرجل على الزنى ، فقال بعضهم : عليه الحد ، لأنه إنما يفعل ذلك باختياره . وقال بعضهم : لا حد عليه . قال ابن خويز منداد : وهو الصحيح . وقال أبو حنيفة : إن أكرهه غير السلطان حد ، وإن أكرهه السلطان فالقياس أن يحد ، ولكن استحسن ألا يحد . وخالفه صاحباه فقالا : لا حد عليه في الوجهين ، ولم يراعوا الانتشار ،
--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 79 .