القرطبي

173

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله . خير لكم إن كنتم تعلمون ( 95 ) ما عندكم ينفد وما عند الله باق وليجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ( 96 ) قوله تعالى : ( ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا ) نهى عن الرشا وأخذ الأموال على نقض العهد ، أي لا تنقضوا عهودكم لعرض قليل من الدنيا . وإنما كان قليلا وإن كثر لأنه مما يزول ، فهو على التحقيق قليل ، وهو المراد بقوله : " ما عندكم ينفد وما عند الله باق " فبين الفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفد وتحول ، وما عند الله من مواهب فضله ونعيم جنته ثابت لا يزول لمن وفى بالعهد وثبت على العقد . ولقد أحسن من قال : المال ينفد حله وحرامه * يوما وتبقى في غد آثامه ليس التقي بمتق لإلهه * حتى يطيب شرابه وطعامه آخر : هب الدنيا تساق إليك عفوا * أليس مصير ذاك إلى انتقال وما دنياك إلا مثل فئ * أظلك ثم آذن بالزوال قوله تعالى : ( ولنجزين الذين صبروا ) أي على الاسلام والطاعات وعن المعاصي . أي من الطاعات ، وجعلها أحسن لان ما عداها من الحسن مباح ، والجزاء إنما يكون على الطاعات من حيث الوعد من الله . وقرأ عاصم وابن كثير " ولنجزين " بالنون على التعظيم . الباقون بالياء . وقيل : إن هذه الآية " ولا تشتروا " أي هنا نزلت في امرئ القيس بم عابس الكندي وخصمه ابن أسوع ( 2 ) ، اختصما في أرض فأراد امرؤ القيس أن يحلف فلما سمع هذه الآية نكل وأقر له بحقه ، والله أعلم .

--> ( 1 ) في نسخ الأصل : * ليس التقى بمن يمير بأهله * وفى ى : يميز ، والتثويب عن أدب الدنيا والدين ص 212 طبع بولاق . ( 2 ) الذي في كتب الصحابة في ترجمة امرى القيس بن عابس أنه ربيعة بن عيدان . وقال صاحب كتاب الإصابة في ترجمة عيدان بن أسوغ : " ذكر مقاتل في تفسيره أنه الذي حاصر امرأ القيس بن عابس الكندي في أرضه ، وفيه نزلت " إن الذين يشترون بعهد الله . . . " الآية .