القرطبي

169

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : وأوفوا بعهد الله إذا عهدتم ولا تنقضوا الأيمن بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ( 91 ) فيه ثلاث مسائل : الأولى : قوله تعالى : ( وأوفوا بعهد الله ) لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ويلتزمه الانسان من بيع أو صلة أو مواثقة في أمر موافق للديانة . وهذه الآية مضمن قوله : " إن الله يأمر بالعدل والاحسان " لان المعنى فيها : افعلوا كذا ، وانتهوا عن كذا ، فعطف على ذلك التقدير . وقد قيل : إنها نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم على الاسلام . وقيل : نزلت في التزام الحلف الذي كان في الجاهلية وجاء الاسلام بالوفاء ، قاله قتادة ومجاهد وابن زيد . والعموم يتناول كل ذلك كما بيناه . روى الصحيح عن جبير بن مطعم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا حلف في الاسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الاسلام إلا شدة " يعنى في نصرة الحق والقيام به والمواساة . وهذا كنحو حلف الفضول الذي ذكره ابن إسحاق قال : اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان لشرفه ونسبه ( 1 ) ، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته ، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول ، أي حلف الفضائل . والفضول هنا جمع فضل للكثرة كفلس وفلوس . روى ابن إسحاق عن ابن شهاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم لو أدعى به في الاسلام لا جبت " . وقال ابن إسحاق : تحامل الوليد بن عتبة على حسين بن علي في مال له ، لسلطان الوليد فإنه كان أميرا على المدينة ، فقال له حسين بن علي : احلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول . قال عبد الله بن الزبير : وأنا أحلف والله لئن دعانا ( 2 ) لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعا . وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك . وبلغت

--> ( 1 ) في سيرة ابن هشام : " لشرفه وسنه " . ( 2 ) في سيرة ابن هشام : " لئن دعا به " .