القرطبي

167

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بالمعنى الأول لا بالثاني ، فإن المعنى الأول راجع إلى إتقان العبادة ومراعاتها بأدائها المصححة والمكملة ، ومراقبة الحق فيها واستحضار عظمته وجلاله حالة الشروع وحالة الاستمرار . وهو المراد بقوله " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " . وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين : أحدهما غالب عليه مشاهدة الحق فكأنه يراه . ولعل النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى هذه الحالة بقوله : " وجعلت قرة عيني في الصلاة " . وثانيهما - لا تنتهي إلى هذا ، لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع عليه ومشاهد له ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : " الذي يراك حين تقوم . وتقلبك في الساجدين ( 1 ) " وقوله : " إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ( 2 ) " الثالثة - قوله تعالى : ( وإيتاء ذا القربى ) أي القرابة ، يقول : يعطيهم المال كما قال : " وآت ذا القربى حقه ( 3 ) " يعنى صلته . وهذا من باب عطف المندوب على الواجب ، وبه استدل الشافعي في إيجاب إيتاء المكاتب ، على ما يأتي بيانه . وإنما خص ذا القربى لان حقوقهم أوكد وصلتهم أوجب ، لتأكيد حق الرحم التي اشتق الله اسمها من اسمه ، وجعل صلتها من صلته ، فقال في الصحيح : " أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ( 4 ) " . ولا سيما إذا كانوا فقراء . الرابعة - قوله تعالى : ( وينهى عن الفحشاء والبغي ) الفحشاء : الفحش ، وهو كل قبيح من قول أو فعل . ابن عباس : هو الزنى . والمنكر : ما أنكره الشرع بالنهي عنه ، وهو يعم جميع المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها . وقيل هو الشرك . والبغي : هو الكبر والظلم والحقد والتعدي ، وحقيقته تجاوز الحد ، وهو داخل تحت المنكر ، لكنه تعالى خصه بالذكر اهتماما به لشدة ضرره . وفى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لا ذنب أسرع عقوبة من بغير " . وقال عليه السلام : " الباغي مصروع " . وقد وعد الله من بغى عليه بالنصر . وفى بعض الكتب المنزلة : لو بغى جبل على جبل لجعل الباغي منهما دكا .

--> ( 1 ) راجع ج 13 ص . . . ( 2 ) راجع ج 8 ص 355 . ( 3 ) راجع ص 247 من هذا الجزء ( 4 ) راجع صحيح البخاري في كتاب التفسير في سورة محمد وكتاب الأدب والتوحيد . وصحيح مسلم في كتاب الأدب .