القرطبي
164
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب ) قال ابن مسعود : عقارب أنيابها كالنخل الطوال ، وحيات مثل أعناق الإبل ، وأفاعي كأنها البخاتي ( 1 ) تضربهم ، فتلك الزيادة . وقيل : المعنى يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار . وقيل : المعنى زدنا القادة عذابا فوق السفلة ، فأحد العذابين على كفرهم والعذاب الآخر على صدهم . ( بما كانوا يفسدون ) في الدنيا من الكفر والمعصية . قوله تعالى : ويوم نبعث من كل أمة شهيدا عليكم من أنفسكم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتب تبينا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ( 89 ) قوله تعالى : ( ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليكم من أنفسكم ) وهم الأنبياء شهداء على أممهم يوم القيامة بأنهم قد بلغوا الرسالة ودعوهم إلى الايمان ، في كل زمان شهيد وإن لم يكن نبيا ، وفيهم قولان : أحدهما - أنهم أئمة الهدى الذين هم خلفاء الأنبياء . الثاني - أنهم العلماء الذين حفظ الله بهم شرائع أنبيائه . قلت : فعلى هذا لم تكن فترة إلا وفيها من يوحد الله ، كقس بن ساعدة ، وزيد بن عمرو ابن نفيل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : " يبعث أمة وحده " ، وسطيح ( 2 ) ، وورقة ابن نوفل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : " رأيته ينغمس في أنهار الجنة " . فهؤلاء ومن كان مثلهم حجة على أهل زمانهم وشهيد عليهم . والله أعلم . وقوله : " وجئنا بك شهيدا على هؤلاء " تقدم في البقرة والنساء ( 3 ) . قوله تعالى : ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ ) نظيره : " ما فرطنا في الكتاب من شئ ( 4 ) " وقد تقدم ، فلينظر هناك . وقال مجاهد : تبيانا للحلال والحرام .
--> ( 1 ) البخاتي : جمال طوال الأعناق . ( 2 ) هو كاهن بنى ذئب ، كان يتكهن في الجاهلية ، واسمه : ربيع بن ربيعة . ( راجع سيرة ابن هشام ص 9 طبع أوروبا ) . ( 3 ) راجع ج 3 ص 154 وج 5 ص 197 . ( 4 ) راجع ج 6 ص 419 .