القرطبي
15
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فكأنه معد عنده ، قاله القشيري . وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال : في العرش مثال كل شئ خلقه الله في البر والبحر . وهو تأويل قوله تعالى : " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه " . والانزال بمعنى الانشاء والايجاد ، كقوله : " وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج ( 1 ) " وقوله : " وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ( 2 ) " . وقيل : الانزال بمعنى الاعطاء ، وسماه إنزالا لان أحكام الله إنما تنزل من السماء . قوله تعالى : وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما له برازقين ( 22 ) فيه خمس مسائل : الأولى : قوله تعالى : ( وأرسلنا الرياح ) قراءة العامة " الرياح " بالجمع . وقرأ حمزة بالتوحيد ، لان معنى الريح الجمع أيضا وإن كان لفظها لفظ الواحد . كما يقال : جاءت الريح من كل جانب . كما يقال : أرض سباسب ( 3 ) وثوب أخلاق . وكذلك تفعل العرب في كل شئ اتسع . وأما وجه قراءة العامة فلان الله تعالى نعتها ب ( لواقح ) وهي جمع . ومعنى " لواقح " حوامل ، لأنها تحمل الماء والتراب والسحاب والخير والنفع . قال الأزهري : وجعل الريح لاقحا لأنها تحمل السحاب ، أي تقله وتصرفه ثم تمريه ( 4 ) فتستدره ، أي تنزله ، قال الله تعالى : " حتى إذا أقلت سحابا ثقالا ( 5 ) " أي حملت . وناقة لاقح ونوق لواقح إذا حملت الأجنة في بطونها . وقيل : لوافح بمعنى ملقحة وهو الأصل ، ولكنها لا تلقح إلا وهي في نفسها لاقح ، كأن الرياح لقحت بخير . قيل : ذوات لقح ، وكل ذلك صحيح ، أي منها ما يلقح الشجر ، كقولهم : عيشة راضية ، أي فيها رضا ، وليل نائم ، أي فيه نوم . ومنها ما تأتى بالسحاب . يقال : لقحت الناقة ( بالكسر ) لقحا ولقاحا ( بالفتح ) فهي لاقح . وألقحها الفحل أي ألقى إليها
--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 234 . ( 2 ) راجع ج 17 ص 260 . ( 3 ) السبب : الأرض المستوية البعيدة . ( 4 ) مرت الريح السحاب : إذ أنزلت منه . ( 5 ) راجع ج 7 ص 228 .