القرطبي

154

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

في صنعنا من الحقير ، فقلت : ليس كما زعمت فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رئيس الزهاد قبة من أدم طائفي يسافر معها ويستظل بها ، فبهت ، ورأيته على منزلة من العي فتركته مع صاحبي وخرجت عنه . الثالثة - : ( . من أصوافها وأوبارها وأشعارها ) أذن الله سبحانه بالانتفاع بصوف الغنم ووبر الإبل وشعر المعز ، كما أذن في الأعظم ، وهو ذبحها وأكل لحومها ، ولم يذكر القطن والكتان لأنه لم يكن في بلاد العرب المخاطبين به ، وإنما عدد عليهم ما أنعم به عليهم ، وخوطبوا فيما عرفوا بما فهموا . وما قام مقام هذه وناب منابها فيدخل في الاستعمال والنعمة مدخلها ، وهذا كقوله تعالى : " وينزل من السماء من جبال فيها من برد ( 1 ) " فخاطبهم بالبرد لأنهم كانوا يعرفون نزوله كثيرا عندهم ، وسكت عن ذكر الثلج ، لأنه لم يكن في بلادهم ، وهو مثله في الصفة والمنفعة ، وقد ذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم معا في التطهير فقال : " اللهم اغسلني بماء وثلج وبرد " . قال ابن عباس : الثلج شئ أبيض ينزل من السماء وما رأيته قط . وقيل : إن ترك ذكر القطن والكتان إنما كان إعراضا عن الترف ، إذ ملبس عباد الله الصالحين إنما هو الصوف " وهذا فيه نظر ، فإنه سبحانه يقول : " يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم " حسبما تقدم بيانه في " الأعراف ( 2 ) " وقال هنا : " وجعل لكم سرابيل " فأشار إلى القطن والكتان في لفظة " سرابيل " والله أعلم . و " أثاثا " قال الخليل : متاعا منضما بعضه إلى بعض ، من أث إذا كثر . قال : وفرع يزين المتن أسود فاحم * أثيث كقنو النخلة المتعثكل ابن عباس : " أثاثا " ثيابا . وتضمنت هذه الآية جواز الانتفاع بالأصواف والأوبار والاشعار على كل حال ، ولذلك قال أصحابنا : صوف الميتة وشعرها طاهر يجوز

--> ( 1 ) راجع ج 12 ص 289 . ( 2 ) راجع ج 7 ص 182 . ( 3 ) البيت من معلقة امرئ القيس . والفرع : الشعر التام و . والمتن والمتنة : ما عن يمين الصلب وشماله من العصب واللحم . والفاحم : الشديد السواد . والقنو ( بالكسر والضم ) : العذق وهو شمراخ . والمتعثكل : الذي قد دخل بعضه في بعض لكثرته .