القرطبي
151
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع . الأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ( 78 ) قوله تعالى : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ) ذكر أن من نعمه أن أخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا لا علم لكم بشئ . وفيه ثلاثة أقاويل : أحدها - لا تعلمون شيئا مما أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم . الثاني - لا تعلمون شيئا مما قضى عليكم من السعادة والشقاء . الثالث - لا تعلمون شيئا من منافعكم ، وتم الكلام ، ثم أبتدأ فقال : ( وجعل لكم السمع والابصار والأفئدة ) أي التي تعلمون بها وتدركون ، لان الله جعل ذلك لعباده قبل إخراجهم من البطون وإنما أعطاهم ذلك بعد ما أخرجهم ، أي وجعل لكم السمع لتسمعوا به الأمر والنهي ، والابصار لتبصروا بها آثار صنعه ، والأفئدة لتصلوا بها إلى معرفته . " والأفئدة " جمع الفؤاد نحو غراب وأغربه . وقد قيل في ضمن قوله : " وجعل لكم السمع " إثبات النطق لان من لم يسمع لم يتكلم ، وإذا وجدت حاسة السمع وجد النطق . وقرأ الأعمش وابن وثاب وحمزة " أمهاتكم " هنا وفى النور ( 1 ) والزمر ( 2 ) والنجم ( 3 ) ، بكسر الهمزة والميم . وأما الكسائي فكسر الهمزة وفتح الميم ، وإنما كان هذا للاتباع . الباقون بضم الهمزة وفتح الميم على الأصل . وأصل الأمهات : أمات ، فزيدت الهاء تأكيدا كما زادوا هاء في أهرقت الماء وأصله أرقت . وقد تقدم هذا المعنى في " الفاتحة ( 4 ) " . ( لعلكم تشكرون ) فيه تأويلان : أحدهما : تشكرون نعمه . الثاني - يعنى تبصرون آثار صنعته ، لان إبصارها يؤدى إلى الشكر . قوله تعالى : ألم يروا إلى الطير مسخرات في الجو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ( 79 )
--> ( 1 ) راجع ج 12 ص 311 . ( 2 ) راجع ج 15 ص 234 . ( 3 ) راجع ج 17 ص 105 . ( 4 ) راجع ج 1 ص 148 .