القرطبي
147
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
رجلا ، والمصدر كإعتاق رقبة ، فأي رجل أعتق فقد خرج عن عهدة الخطاب ، ويصح منه الاستثناء . وقال قتادة : هذا المثل للمؤمن والكافر ، فذهب قتادة إلى أن العبد المملوك هو الكافر ، لأنه لا ينتفع في الآخرة بشئ من عبادته ، وإلى أن معنى " ومن رزقناه منا رزقا حسنا " المؤمن . والأول عليه الجمهور من أهل ( العلم ( 1 ) والتأويل . قال الأصم : المراد بالعبد المملوك الذي ربما يكون أشد من مولاه أسرا ( 2 ) وأنضر وجها ، وهو لسيده ذليل لا يقدر إلا على ما أذن له فيه ، فقال الله تعالى ضربا للمثال . أي فإذا كان هذا شأنكم وشأن عبيدكم فكيف جعلتم أحجارا مواتا شركاء لله تعالى في خلقه وعبادته ، وهي لا تعقل ولا تسمع . الثانية - فهم المسلمون من هذه الآية ومما قبلها نقصان رتبة العبد عن الحر في الملك ، وأنه لا يملك شيئا وإن ملك . قال أهل العراق : الرق ينافي الملك ، فلا يملك شيئا البتة بحال ، وهو قول الشافعي في الجديد ، وبه قال الحسن وابن سيرين . ومنهم من قال : يملك إلا أنه ناقص الملك ، لان لسيده أن ينتزعه منه أي وقت شاء ، وهو قول مالك ومن اتبعه ، وبه قال الشافعي في القديم . وهو قول أهل الظاهر ، ولهذا قال أصحابنا : لا تجب عليه عبادة الأموال من زكاة وكفارات ، ولا من عبادات الأبدان ما يقطعه عن خدمة سيده كالحج والجهاد وغير ذلك . وفائدة هذه المسألة أن سيده لو ملكه جارية جاز له أن يطأها بملك اليمين ، ولو ملكه أربعين من الغنم فحال عليها الحول لم تجب على السيد زكاتها لأنها ملك غيره ، ولا على العبد لان ملكه غير مستقر . والعراقي يقول : لا يجوز له أن يطأ الجارية ، والزكاة في النصاب واجبة على السيد كما كانت . ودلائل هذه المسألة للفريقين في كتب الخلاف . وأدل دليل لنا قوله تعالى : " الله الذي خلقكم ثم رزقكم ( 3 ) فسوى بين العبد والحر في الرزق والخلق . وقال عليه السلام : " من أعتق عبدا وله مال . . . " فأضاف المال إليه . وكان ابن عمر يرى عبده يتسرى في ماله فلا يعيب عليه ذلك . وروى عن ابن عباس أن عبدا له طلق امرأته طلقتين فأمره أن يرتجعها بملك اليمين ، فهذا دليل على أنه يملك ما بيده ويفعل فيه ما يفعل المالك في ملكه ما لم ينتزعه سيده . والله أعلم .
--> ( 1 ) من ى . ( 2 ) الأسر : الخلق . ( 3 ) راجع ج 14 ص 40 .