القرطبي
139
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
جمهور العلماء . روى أن ابن عمر اكتوى من اللقوة ( 1 ) ورقى من العقرب . وعن ابن سيرين أن ابن عمر كان يسقى ولده الترياق ( 2 ) . وقال مالك : لا بأس بذلك . وقد احتج من كره ذلك بما رواه أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دخلت أمة بقضها ( 3 ) وقضيضها الجنة كانوا لا يسرقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون " . قالوا : فالواجب على المؤمن أن يترك ذلك اعتصاما بالله وتوكلا عليه وثقة به وانقطاعا إليه ، فإن الله تعالى قد علم أيام المرض وأيام الصحة فلو حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا ، قال الله تعالى : " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ( 4 ) " . وممن ذهب إلى هذا جماعة من أهل الفضل والأثر ، وهو قول ابن مسعود وأبى الدرداء رضوان الله عليهم . دخل عثمان بن عفان على ابن مسعود في مرضه الذي قبض فيه فقال له عثمان : ما تشتكي ؟ قال ذنوبي . قال : فما تشتهى ؟ قال رحمة ربى . قال : ألا أدعو لك طبيبا ؟ قال : الطبيب أمرضني . . . وذكر الحديث . وسيأتي بكماله في فضل الواقعة إن شاء الله تعالى . وذكر وكيع قال : حدثنا أبو هلال عن معاوية بن قرة قال : مرض أبو الدرداء فعادوه وقالوا : ألا ندعو لك طبيبا ؟ قال : الطبيب أضجعني . وإلى هذا ذهب الربيع بن خيثم . وكره سعيد بن جبير الرقي . وكان الحسن يكره شرب الأدوية كلها إلا اللبن والعسل . وأجاب الأولون عن الحديث بأنه لا حجة فيه ، لأنه يحتمل أن يكون قصد إلى نوع من الكي مكروه بدليل كي النبي صلى الله عليه وسلم أبيا يوم الأحزاب على أكحله ( 5 ) لما رمى . وقال : " الشفاء في ثلاثة " كما تقدم . ويحتمل أن يكون قصد إلى الرقي بما ليس في كتاب الله ، وقد قال سبحانه وتعالى : " وننزل من القرآن ما هو شفاء ( 6 ) " على ما يأتي بيانه . ورقى أصحابه وأمرهم بالرقية ، على ما يأتي بيانه .
--> ( 1 ) اللقوة ( بالفتح ) : مرض يعرض للوجه فيميله إلى أحد جانبيه . ( 2 ) الترياق : ما يستعمل لدفع السم من الأدوية والماجين ، وهو معرب . ( 3 ) أي دخلوا مجتمعين ، ينقض أخرهم على أولهم . وقال ابن الأعرابي : إن القض الحصى الصغار ، أي دخلوا بالكبير والصغير . ( 4 ) راجع ج 17 ص 194 . ( 5 ) الأكحل : عرق في وسط الذراع . ( 6 ) راجع ص 315 من هذا الجزء .