القرطبي

135

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( ثم كلي من كل الثمرات ) وذلك أنها إنما تأكل النوار من الأشجار . ( فاسلكي سبل ربك ) أي طرق ربك . والسبل : الطرق ، وأضافها إليه لأنه خالقها . أي ادخلي طرق ربك لطلب الرزق في الجبال وخلال الشجر . ( ذللا ) جمع ذلول وهو المنقاد ، أي مطيعة مسخرة . ف‍ " ذللا " حال من النحل . أي تنقاد وتذهب حيث شاء صاحبها ، لأنها تتبع أصحابها حيث ذهبوا ، قاله ابن زيد . وقيل : المراد بقوله " ذللا " السبل . واليعسوب سيد ( 1 ) النحل ، إذا وقف وقفت وإذا سار سارت . قوله تعالى : ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ) فيه تسع مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( يخرج من بطونها ) رجع الخطاب إلى الخبر على جهة تعديد النعمة والتنبيه على العبرة فقال : " يخرج من بطونها شراب " يعنى العسل . وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل ، وورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في تحقيره للدنيا : أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة ، وأشرف شرابه رجيع نحلة . فظاهر هذا أنه من غير الفم . وبالجملة فإنه يخرج ولا يدرى من فيها أو أسفلها ، ولكن لا يتم صلاحه إلا بحمى أنفاسها . وقد صنع أرسطا طاليس بيتا من زجاج لينظر إلى كيفية ما تصنع ، فأبت أن تعمل حتى لطخت باطن الزجاج بالطين ، ذكره الغزنوي . وقال : " من بطونها " لان استحالة الأطعمة لا تكون إلا في البطن . الثانية - قوله تعالى : ( مختلف ألوانه ) يريد أنواعه من الأحمر والأبيض والأصفر والجامد والسائل ، والام واحدة والأولاد مختلفون دليل على أن القدرة نوعته بحسب تنويع الغذاء ، كما يختلف طعمه بحسب اختلاف المراعى ، ومن هذا المعنى قول زينب للنبي صلى الله عليه وسلم : " جرست نحله العرفط ( 2 ) " حين شبهت رائحته برائحة المغافير .

--> ( 1 ) اليعسوب : هو الملكة وليس للنحل غيرها رئيسا وذكر النخل هو الذي يلقح الملكة ثم يموت ، هذا الذي يقرره العلماء بهذا الجنس . ( 2 ) الجرس : الاكل . والعرفط ( بالضم ) : شجر الطلح ، وله صمغ كريه الرائحة ، فإذا أكلته النحل حصل في عسلها من ريحه . أي شربت عسلا أكلت نحلة من شجر الطلح .