القرطبي

129

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

والتمر ، كقوله : " فهم الخالدون ( 1 ) " أي أفهم الخالدون . والله أعلم . وقال أبو عبيدة : السكر الطعم ، يقال : هذا سكر لك أي طعم . وأنشد : * جعلت عيب الأكرمين سكرا * أي جعلت ذمهم طعما . وهذا اختيار الطبري أن السكر ما يطعم من الطعام وحل شربه من ثمار النخيل والأعناب ، وهو الرزق الحسن ، فاللفظ مختلف والمعنى واحد ، مثل " إنما أشكو بثي وحزني ( 2 ) إلى الله " وهذا حسن ولا نسخ ، إلا أن الزجاج قال : قول أبى عبيدة هذا لا يعرف ، وأهل التفسير على خلافه ، ولا حجة له في البيت الذي أنشده ، لان معناه عند غيره أنه يصف أنها تتخمر بعيوب الناس . وقال الحنفيون : المراد بقوله : " سكرا " ما لا يسكر من الأنبذة ، والدليل عليه أن الله سبحانه وتعالى أمتن على عباده بما خلق لهم من ذلك ، ولا يقع الامتنان إلا بمحلل لا بمحرم ، فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ ، فإذا انتهى إلى السكر لم يجز ، وعضدوا هذا من السنة بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " حرم الله الخمر بعينها والسكر من غيرها " . وبما رواه عبد الملك بن نافع عن ابن عمر قال : رأيت رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند الركن ، ودفع إليه القدح فرفعه إلى فيه فوجده شديدا فرده إلى صاحبه ، فقال له حينئذ رجل من القوم : يا رسول الله ، أحرام هو ؟ فقال : " على بالرجل " فأتى به فأخذ منه القدح ، ثم دعا بماء فصبه فيه ثم رفعه إلى فيه فقطب ، ثم دعا بماء أيضا فصبه فيه ثم قال : " إذا اغتلمت ( 3 ) عليكم هذه الأوعية فاكسروا متونها بالماء " . وروى أنه عليه السلام كان ينبذ له فيشربه ذلك اليوم ، فإذا كان من اليوم الثاني أو الثالث سقاه الخادم إذا تغير ، ولو كان حراما ما سقاه إياه . قال الطحاوي : وقد روى أبو عون الثقفي عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس قال : حرمت الخمر بعينها القليل منها والكثير والسكر من كل شراب ، خرجه الدارقطني أيضا .

--> ( 1 ) راجع ج 11 ص 287 . ( 2 ) راجع ج 9 ص 251 . ( 3 ) الاغتلام مجاوزة الحد ، أي إذا جاوزت حدها الذي لا يسكر إلى حدها الذي يسكر .