القرطبي
108
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( 43 ) بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما أنزل إليهم ولعلهم يتفكرون ( 44 ) قوله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ) قراءة العامة " يوحى " بالياء وفتح الحاء . وقرأ حفص عن عاصم " نوحي إليهم بنون العظمة وكسر الحاء نزلت في مشركي مكة حيث أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا ، فهلا بعث إلينا ملكا ، فرد الله تعالى عليهم بقوله : " وما أرسلنا من قبلك " إلى الأمم الماضية يا محمد " إلا رجالا " آدميين . ( فاسألوا أهل الذكر ) قال سفيان : يعنى مؤمني أهل الكتاب . ( إن كنتم لا تعلمون ) يخبرونكم أن جميع الأنبياء كانوا بشرا . وقيل : المعنى فاسألوا أهل الكتاب فإن لم يؤمنوا فهم معترفون بأن الرسل كانوا من البشر روى معناه عن ابن عباس ومجاهد . وقال ابن عباس : أهل الذكر أهل القرآن وقيل : أهل العلم ، والمعنى متقارب . ( بالبينات والزبر ) قيل : " بالبينات " متعلق ب " أرسلنا " . وفى الكلام تقديم وتأخير ، أي ما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا - أي غير رجال ، ف " إلا " بمعنى غير ، كقوله : لا إله إلا الله ، وهذا قول الكلبي - نوحي إليهم . وقيل : في الكلام حذف دل عليه " أرسلنا " أي أرسلناهم بالبينات والزبر . ولا يتعلق " بالبينات " ب " أرسلنا " الأول على هذا القول ، لان ما قبل " إلا " لا يعمل فيما بعدها ، وإنما يتعلق بأرسلنا المقدرة ، أي أرسلناهم بالبينات . وقيل : مفعول ب " تعلمون " والباء زائدة ، أو نصب بإضمار أعني ، كما قال الأعشى : وليس مجيرا إن أتى الحي خائف * ولا قائلا إلا هو المتعيبا