القرطبي
104
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
( ومنهم من حقت عليه الضلالة ) أي بالقضاء السابق عليه حتى مات على كفره ، وهذا يرد على القدرية ، لأنهم زعموا أن الله هدى الناس كلهم ووفقهم للهدى ، والله تعالى يقول : " فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة " وقد تقدم هذا في غير موضع . ( فسيروا في الأرض ) أي فسيروا معتبرين في الأرض . ( فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) أي كيف صار آخر أمرهم إلى الخراب والعذاب والهلاك . قوله تعالى : إن تحرص على هدهم فإن الله لا يهدى من يضل وما لهم من نصرين ( 37 ) قوله تعالى : ( إن تحرص على هداهم ) أي إن تطلب يا محمد بجهدك هداهم . ( فإن الله لا هدى من يضل ) أي لا يرشد من أضله ، أي من سبق له من الله الضلالة لم يهده . وهذه قراءة ابن مسعود وأهل الكوفة . ف " يهدى " فعل مستقبل وماضيه هدى . و " من " في موضع نصب ب " يهدى " ويجوز أن يكون هدى يهدى بمعنى اهتدى يهتدى ، رواه أبو عبيد عن الفراء قال : كما قرئ " أمن لا يهدى إلا أن يهدى ( 1 ) " بمعنى يهتدى . قال أبو عبيد . ولا نعلم أحدا روى هذا غير الفراء ، وليس بمتهم فيما يحكيه . النحاس . حكى لي عن محمد ابن يزيد كأن معنى " لا يهدى من يضل " من علم ذلك منه وسبق ذلك له عنده ، قال : ولا يكون يهدى بمعنى يهتدى إلا أن يكون يهدى أو يهدى . وعلى قول الفراء " يهدى " بمعنى يهتدى ، فيكون " من " في موضع رفع ، والعائد إلى " من " الهاء المحذوفة من الصلة ، والعائد إلى اسم " إن " الضمير المستكن في " يضل " . وقرأ الباقون " لا يهدى " بضم الياء وفتح الدال ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ، على معنى من أضله الله لم يهده هاد ، دليله قوله : " من يضلل الله فلا هادي له " و " من " في موضع رفع على أنه اسم ما لم يسم فاعله ، وهي بمعنى الذي ، والعائد عليها من صلتها محذوف ، والعائد على اسم إن من " فإن الله " الضمير المستكن في " يضل " . ( وما لهم من ناصرين ) تقدم معناه .
--> ( 1 ) راجع ج ص 342 .