القرطبي
86
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
يؤكل . فإن ادعى هذا الإنسان أن الباطل الذي زاده من قوله " من عين تجري من تحت الجحيم " ليس بعدها " لا يأكله إلا الخاطئون " ونفى هذه الآية من القرآن لتصح له زيادته ، فقد كفر لما جحد آية من القرآن . وحسبك بهذا لقوله ردا لقوله ، وخزيا لمقاله . وما يؤثر عن الصحابة والتابعين أنهم قرأوا بكذا وكذا أنما ذلك على جهة البيان والتفسير ، لا أن ذلك قرآن يتلى ، وكذلك ما نسخ لفظه وحكمه أو لفظه دون حكمه ليس بقرآن ، على ما يأتي بيانه عند قوله تعالى : " ما ننسخ من اية ( 1 ) إن شاء الله تعالى . القول في الاستعاذة وفيها اثنتا عشرة مسألة : الأولى - أمر الله تعالى بالاستعاذة عند أول كل قراءة فقال تعالى : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم " أي إذا أردت أن تقرأ ، فأوقع الماضي موقع المستقبل كما قال الشاعر : وإني لآتيكم لذكرى الذي مضى * من الود واستئناف ما كان في غد أذاد ما يكون في غد ، وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، وأن كل فعلين تقاربا في المعنى جاز تقديم أيهما شئت ، كما قال تعالى : " ثم دنى فتدلى " المعنى فتدلى ثم دنى ، ومثله : " اقتربت الساعة وانشق القمر " وهو كثير . الثانية - هذا الأمر على الندب في قول الجمهور في كل قراءة في غير الصلاة . واختلفوا فيه في الصلاة . حكى النقاش عن عطاء : أن الاستعاذة واجبة . وكان ابن سيرين والنخعي وقوم يتعوذون في الصلاة كل ركعة ، ويمتثلون أمر الله في الاستعاذة على العموم ، وأبو حنيفة والشافعي يتعوذان في الركعة الأولى من الصلاة ويريان قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة ، ومالك لا يرى التعوذ في الصلاة المفروضة ويراه في قيام رمضان . الثالثة - أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن ولا آية منه ، وهو قول القارئ : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . وهذا اللفظ هو الذي عليه الجمهور من العلماء في التعوذ لأنه
--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 61 .