القرطبي

2

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ما شرح له فيه ، ويخشى الله ويتقيه ، ويراقبه ويستحييه . فإنه حمل أعباء الرسل ، وصار شهيدا في القيامة على من خالف من أهل الملل ، قال الله تعالى : " وكذلك جعلناكم أمه وسطا لتكونوا شهداء على الناس ( 1 ) " . ألا وإن الحجة على من علمه فأغفله ، أوكد منها على من قصر عنه وجهله . ومن أوتى علم القرآن فلم ينتفع ، وزجرته نواهيه فلم يرتدع ، وارتكب من المآثم قبيحا ، ومن الجرائم فضوحا ، كان القرآن حجه عليه ، وخصما لديه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " القرآن حجه لك أو عليك " خرجه مسلم . فالواجب على من خصه الله بحفظ كتابه أن يتلوه حق تلاوته ، ويتدبر حقائق عبارته ، ويتفهم عجائبه ، ويتبين غرائبه ، قال الله تعالى : " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ( 2 ) " . وقال الله تعالى : " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ( 3 ) " . جعلنا الله ممن يرعاه حق رعايته ، ويتدبره حق تدبره ، ويقوم بقسطه ، ويفي بشرطه ، ولا يلتمس الهدى في غيره ، وهدانا لأعلامه الظاهرة ، وأحكامه القاطعة الباهرة ، وجمع لنا به خير الدنيا والآخرة ، فإنه أهل التقوى وأهل المغفرة . ثم جعل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بيان ما كان منه مجملا ، وتفسير ما كان منه مشكلا ، وتحقيق ما كان منه محتملا ، ليكون له مع تبليغ الرسالة ظهور الاختصاص به ، ومنزلة التفويض إليه ، قال اله تعالى : " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ( 4 ) " . ثم جعل إلى العلماء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم استنباط ما نبه على معانيه ، وأشار إلى أصوله ليتوصلوا باجتهاد فيه إلى علم المراد ، فيمتازوا بذلك عن غيرهم ، ويختصوا بثواب اجتهادهم ، قال الله تعالى : " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ( 5 ) " . فصار الكتاب أصلا والسنة له بيانا ، واستنباط العلماء له إيضاحا وتبيانا . فالحمد لله الذي جعل صدورنا أوعية كتابه ، وآذاننا موارد سنن نبيه ، وهممنا مصروفة إلى تعلمهما والبحث عن معانيهما وغرائبهما ، طالبين بذلك رضا رب العالمين ، ومتدرجين به إلى علم الملة والدين . ( وبعد * فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجمع علوم الشرع ، الذي استقل بالسنة والفرض ، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض ، رأيت أن أشتغل به مدى عمري ، وأستفرغ

--> ( 1 ) آية 143 سورة البقرة . ( 2 ) آية 29 سورة ص . ( 3 ) آية 24 سورة القتال . ( 4 ) آية 44 سورة النحل . ( 5 ) آية 11 سورة المجادلة .