القرطبي
71
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
والشرط الثالث هو أن يستشهد بها مدعى الرسالة على الله عز وجل ، فيقول : آيتي أن يقلب الله سبحانه هذا الماء زيتا أو يحرك الأرض عند قولي لها ، تزلزلي ، فإذا فعل الله سبحانه ذلك حصل المتحدي به . الشرط الرابع هو أن تقع على وفق دعوى المتحدي بها المستشهد بكونها معجزة له ، وإنما وجب اشتراط هذا الشرط لأنه لو قال المدعى للرسالة : آية نبوتي ودليل حجتي أن تنطق يدي أو هذه الدابة فنطقت يده أو الدابة بأن قالت : كذب وليس هو نبي فإن هذا الكلام الذي خلقه الله تعالى دال كذب المدعى للرسالة ، لأن ما فعله الله لم يقع على وفق دعواه . وكذلك ما يروى أن مسيلمة الكذاب لعنه الله تفل في بئر ليكثر ماؤها فغارت البئر وذهب ما كان فيها من الماء ، فما فعل الله سبحانه من هذا ، كان من الآيات المكذبة لمن ظهرت على يديه ، لأنها وقعت على خلاف ما أراده المتنبئ الكذاب . والشرط الخامس من شروط المعجزة ألا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدي على وجه المعارضة ، فإن تم الأمر المتحدي به المستشهد به على النبوة على هذا الشرط مع الشروط المتقدمة فهي معجزة داله على نبوة من ظهرت على يده ، فإن أقام الله تعالى من يعارضه حتى يأتي بمثل ما أتى به ويعمل مثل ما عمل بطل كونه نبيا ، وخرج عن كونه معجزا ولم يدل على صدقه ، ولهذا قال المولى سبحانه : " فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين " وقال : " أم يقولون افتراه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات " . كأنه يقول : إن ادعيتم أن هذا القرآن من نظم محمد صلى الله عليه وسلم وعمله فاعملوا عشر سور من جنس نظمه ، فإذا عجزتم بأسركم عن ذلك فاعلموا أنه ليس من نظمه ولا من عمله . لا يقال ، إن المعجزات المقيدة بالشروط الخمسة لا تظهر إلا على أيدي الصادقين ، وهذا المسيخ الدجال فيما رويتم عن نبيكم صلى الله عليه وسلم يظهر على يديه من الآيات العظام ، والأمور الجسام ، ما هو معروف مشهور ، فإنا نقول : ذلك يدعى الرسالة ، وهذا يدعى الربوبية وبينهما من الفرقان ما بين البصراء والعميان ، وقد قام الدليل العقلي على أن بعثه بعض الخلق