القرطبي
48
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
هشام بن حكيم لها ، والا فكيف يستقيم ان يقول النبي صلى الله عليه وسلم في كل قراءة منهما وقد اختلفا : " هكذا أقرأني جبريل " هل ذلك الا انه أقرأه مرة بهذه ومرة بهذه ، وعلى هذا يحمل قول انس حين قرأ : " ان ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلا " فقيل له : انما نقرأ " وأقوم قيلا " . فقال انس : وأصوب قيلا ، وأقوم قيلا وأهيأ ، واحد ، فإنما معنى هذا انها مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والا فلو كان هذا لاحد من الناس ان يضعه لبطل معنى قوله تعالى : " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " ( 1 ) . روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب : قال سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة " الفرقان " على غير ما أقرؤها ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها ، فكدت ان أعجل عليه ، ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته ( 2 ) بردائه ، فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله ، اني سمعت هذا يقرأ سورة " الفرقان " على غير ما أقرأتنيها ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أرسله اقرأ " ( 3 ) فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هكذا أنزلت " ثم قال لي : " اقرأ " فقرأت فقال : " هكذا أنزلت ان هذا القران انزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه " . قلت : وفى معنى حديث عمر هذا ، ما رواه مسلم عن أبي بن كعب قال : كنت في المسجد فدخل رجل يصلى ، قراءة أنكرتها عليه ، ثم دخل اخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه ، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : ان هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ، ودخل اخر فقرأ سوى قراءة صاحبه ، فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ ، فحسن النبي صلى الله عليه وسلم شأنهما ، فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني ، ضرب في صدري ففضت عرقا ، وكأنما انظر إلى الله تعالى فرقا ، فقال لي : " يا أبي ارسل إلى أن اقرأ القران على حرف فرددت إليه ان هون على أمتي فرد إلى الثانية أقرأه على حرفين فرددت إليه ان هون على أمتي
--> ( 1 ) اية 9 سورة الحجر . ( 2 ) قوله : لببته بردائه . اي جمعت ثيابه عند صدره ونحره ثم جررته . ( 3 ) ارسل الشئ : أطلقه .