القرطبي
438
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
يختلس فيه العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شئ ) . فقال زياد بن لبيد الأنصاري : كيف يختلس منا وقد قرآنا القرآن ! فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا . فقال : ( ثكلتك أمك يا زياد أن كنت لأعدك من فقهاء المدينة هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم ) وذكر الحديث ، وسيأتي . وخرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزياد : ( ثكلتك أمك يا زياد هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى ) . وفي الموطأ عن عبد الله بن مسعود قال لانسان : " إنك في زمان كثير فقهاؤه ، قليل قراؤه ، تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه ، قليل من يسأل ، كثير من يعطي ، يطيلون الصلاة ويقصرون فيه الخطبة ، يبدءون فيه أعمالهم قبل أهوائهم . وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه ، كثير قراؤه ، تحفظ فيه حروف القرآن ، وتضيع حدوده ، كثير من يسأل ، قليل من يعطي ، يطيلون فيه الخطبة ، ويقصرون الصلاة ، يبدءون فيه أهواءهم قبل أعمالهم " . وهذه نصوص تدل على ما ذكرنا . وقد قال يحيى : سألت ابن نافع عن قوله : يبدءون أهواءهم قبل أعمالهم ؟ قال يقول : يتبعون أهواءهم ويتركون العمل بالذي افترض عليهم . وتقدم القول في معنى قوله : " لعلكم تتقون " ( 1 ) . فلا معنى لإعادته . قوله تعالى : ( ثم توليتم ) تولى تفعل ، وأصله الاعراض والادبار عن الشئ بالجسم ، ثم استعمل في الاعراض عن الأوامر والأديان والمعتقدات اتساعا ومجازا . وقوله : ( من بعد ذلك ) أي من بعد البرهان ، وهو أخذ الميثاق ورفع الجبل . وقوله : ( فلولا فضل الله عليكم ) " فضل " مرفوع بالابتداء عند سيبويه والخبر محذوف لا يجوز إظهاره ، لان العرب استغنت عن إظهاره ، إلا أنهم إذا أرادوا إظهاره جاءوا بأن ، فإذا جاءوا بها لم يحذفوا الخبر . والتقدير فلولا فضل الله تدارككم . ( ورحمته ) عطف على " فضل " أي
--> ( 1 ) راجع ص 227 من هذا الجزء .