القرطبي

405

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وفتيان صدق قد بعثت بسحرة ( 1 ) * فقاموا جميعا بين عاث ونشوان وقال عنترة : وصحابة شم الأنوف بعثتهم * ليلا وقد مال الكرى بطلاها ( 2 ) وقال بعضهم " بعثناكم من بعد موتكم " [ البقرة : 56 ] علمناكم من بعد جهلكم . قلت : والأول أصح لان الأصل الحقيقة ، وكان موت عقوبة ومنه قوله تعالى : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم " على ما يأتي ( 3 ) [ البقرة : 243 ] . الخامسة - قال الماوردي : واختلف في بقاء تكليف من أعيد بعد موته ومعاينة الأحوال المضطرة إلى المعرفة على قولين : أحدهما - بقاء تكليفهم لئلا يخلو عاقل من تعبد . الثاني : سقوط تكليفهم معتبرا بالاستدلال دون الاضطرار . قلت : والأول أصح فإن بني إسرائيل قد رأوا الجبل في الهواء ساقطا عليهم والنار محيطة بهم وذلك مما اضطرهم إلى الايمان وبقاء التكليف ثابت عليهم ومثلهم قوم يونس . ومحال أن يكونوا غير مكلفين . والله أعلم . قوله تعالى : وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ( 57 ) فيه ثماني مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( وظللنا عليكم الغمام ) أي جعلناه عليكم كالظلة . والغمام جمع غمامة كسحابة وسحاب قاله الأخفش سعيد . قال الفراء : ويجوز غمائم وهي السحاب لأنها تغم السماء أي تسترها وكل مغطى فهو مغموم ومنه المغموم على عقله . وغم الهلال

--> ( 1 ) السحرة ( بضم أوله ) : السحر . وقيل : أعلى السحر . وقيل : هو من ثلث الليل الآخر إلى طلوع الفجر . ( 2 ) الطلى ( بضم ففتح ) : الأعناق . ( 3 ) راجع ج 3 ص 230