القرطبي
308
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
كل واحدة منهما شرطا في طلاقها أو عتقها . قال ابن العربي : وهذا بعيد ، لان بعض الشرط لا يكون شرطا إجماعا . قلت : الصحيح الأول ، وإن النهي إذا كان معلقا على فعلين لا تتحقق المخالفة إلا بهما ، لأنك إذا قلت : لا تدخلا الدار ، فدخل أحدهما ما وجدت المخالفة منهما ، لان قول الله تعالى " ولا تقربا هذه الشجرة " [ البقرة : 35 ] نهي لهما " فتكونا من الظالمين " [ البقرة : 35 ] جوابه ، فلا يكونا من الظالمين حتى يفعلا ، فلما أكلت لم يصبها شئ ، لان المنهي عنه ما وجد كاملا . وخفي هذا المعنى على آدم فطمع ونسي هذا الحكم ، وهو معنى قوله تعالى : " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي " [ طه : 115 ] وقيل : نسي قوله : " إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى " [ طه : 117 ] . والله أعلم . الثانية عشرة - واختلف العلماء في هذا الباب هل وقع من الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - صغائر من الذنوب يؤاخذون بها ويعاتبون عليها أم لا - بعد اتفاقهم على أنهم معصومون من الكبائر ومن كل رزيلة فيها شين ونقص إجماعا عند القاضي أبي بكر ( 1 ) ، وعند الأستاذ أبي إسحاق ( 2 ) أن ذلك مقتضى دليل المعجزة ، وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم - ، فقال الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين : تقع الصغائر منهم . خلافا للرافضة حيث قالوا : إنهم معصومون من جميع ذلك ، واحتجوا بما وقع من ذلك في التنزيل وثبت من تنصلهم من ذلك في الحديث ، وهذا ظاهر لا خفاء فيه . وقال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي : إنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر أجمعها ، لأنا أمرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرا مطلقا من غير التزام قرينة ، فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم ، إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة والإباحة أو الحظر أو المعصية ، ولا يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعله معصية ، لا سيما على من يرى تقديم الفعل على القول إذا تعارضا من الأصوليين . قال
--> ( 1 ) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم أبو بكر الباقلاني . ( 2 ) هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني . وفي الأصول : ( عند الأستاذ أبي بكر ) وهو تحريف . ( راجع الكلام في عصمة الأنبياء في شرح المواقف ) .