القرطبي
297
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أي صارت . وقال ابن فورك . " كان " هنا بمعنى صار خطأ ترده الأصول . وقال جمهور المتأولين : المعنى أي كان في علم الله تعالى أنه سيكفر ، لان الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة . قلت : وهذا صحيح ، لقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري : ( وإنما الأعمال بالخواتيم ) . وقيل : إن إبليس عبد الله تعالى ثمانين ألف سنة ، وأعطي الرياسة والخزانة في الجنة على الاستدراج ، كما أعطى المنافقون شهادة أن لا إله إلا الله على أطراف ألسنتهم ، وكما أعطي بلعام ( 1 ) الاسم الأعظم على طرف لسانه ، فكان في رياسته والكبر في نفسه متمكن . قال ابن عباس : كان يرى لنفسه أن له فضيلة على الملائكة بما عنده ، فلذلك قال : أنا خير منه ، ولذلك قال الله عز وجل : " ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين ( 2 ) " [ ص : 75 ] أي استكبرت ولا كبر لك ، ولم أتكبر أنا حين خلقته بيدي والكبر لي ! فلذلك قال : " وكان من الكافرين " . [ ص : 74 ] . وكان أصل خلقته من نار العزة ، ولذلك حلف بالعزة فقال : " فبعزتك لأغوينهم أجمعين " [ ص : 82 ] فالعزة أورثته الكبر حتى رأى الفضل له على آدم عليه السلام . وعن أبي صالح قال : خلقت الملائكة من نور العزة وخلق إبليس من نار العزة . التاسعة - قال علماؤنا - رحمة الله عليهم - : ومن أظهر الله تعالى على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالا على ولايته ، خلافا لبعض الصوفية والرافضة حيث قالوا : إن ذلك يدل على أنه ولي ، إذ لو لم يكن وليا ما أظهر الله على يديه ما أظهر . ودليلنا أن العلم بأن الواحد منا ولي لله تعالى لا يصح إلا بعد العلم بأنه يموت مؤمنا ، وإذا لم يعلم أنه يموت مؤمنا لم يمكنا أن نقطع على أنه ولي لله تعالى ، لان الولي لله تعالى من علم الله تعالى أنه لا يوافي إلا بالايمان . ولما اتفقنا على أننا لا يمكننا أن نقطع على أن ذلك الرجل يوافي بالايمان ، ولا الرجل نفسه يقطع على أنه يوافي بالايمان ، علم أن ذلك ليس
--> ( 1 ) في تاريخ ابن الأثير والطبري إنه بلعم بن باعور من ولد لوط ، كان في عهد موسى عليه السلام ، وهو من أهل كنعان . راجع تاريخ ابن الأثير ج 1 ص 140 ، وتاريخ الطبري قسم أول ص 508 طبع أوروبا . ( 2 ) راجع ج 15 ص 228