القرطبي

294

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : وهذا السجود المنهي عنه قد اتخذه جهال المتصوفة عادة في سماعهم وعند دخولهم على مشايخهم واستغفارهم ، فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال بزعمه يسجد للاقدام ( 1 ) لجهله سواء أكان للقبلة أم غيرها جهالة منه ، ضل سعيهم وخاب عملهم . الخامسة - قوله : ( إلا إبليس ) نصب على الاستثناء المتصل ، لأنه كان من الملائكة على قول الجمهور : ابن عباس وابن مسعود وابن جريج وابن المسيب وقتادة وغيرهم ، وهو اختيار الشيخ أبي الحسن ، ورجحه الطبري ، وهو ظاهر الآية . قال ابن عباس : وكان اسمه عزازيل وكان من أشراف الملائكة وكان من الأجنحة الأربعة ثم أبلس بعد . روى سماك ابن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان إبليس من الملائكة فلما عصى الله غضب عليه فلعنه فصار شيطانا . وحكى الماوردي عن قتادة : أنه كان من أفضل صنف من الملائكة يقال لهم الجنة . وقال سعيد بن جبير : إن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نار وإبليس منهم ، وخلق سائر ( 2 ) الملائكة من نور . وقال ابن زيد والحسن وقتادة أيضا : إبليس أبو الجن كما أن آدم أبو البشر ولم يكن ملكا ، وروى نحوه عن ابن عباس وقال : اسمه الحارث . وقال شهر ابن حوشب وبعض الأصوليين : كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيرا وتعبد مع الملائكة وخوطب ، وحكاه الطبري عن ابن مسعود . والاستثناء على هذا منقطع ، مثل قوله تعالى : " ما لهم به من علم إلا اتباع الظن " [ النساء : 157 ] وقوله : " إلا ما ذكيتم " [ المائدة : 3 ] في أحد القولين ، وقال الشاعر : ليس عليك عطش ولا جوع * إلا الرقاد والرقاد ممنوع واحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله عز وجل وصف الملائكة فقال : " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " [ التحريم : 6 ] ، وقوله تعالى : " إلا إبليس كان من الجن " [ الكهف : 50 ] والجن غير الملائكة . أجاب أهل المقالة الأولى بأنه لا يمتنع أن يخرج إبليس من جملة الملائكة لما سبق في علم الله بشقائه عدلا منه ، لا يسأل عما يفعل ، وليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة حين غضب عليه ما يدفع أنه من الملائكة . وقول من قال : إنه كان من جن الأرض فسبي ،

--> ( 1 ) في نسخ من الأصل : " للأقدم " . ( 2 ) في نسخ : " معاشر " .