القرطبي
289
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
من بين سائر عيال ( 1 ) الله ، لان الله تعالى ألزمها ذلك في آدم عليه السلام فتأدبت بذلك الأدب . فكلما ظهر لها علم في بشر خضعت له وتواضعت وتذللت إعظاما للعلم وأهله ، ورضا منهم ( 2 ) بالطلب له والشغل به . هذا في الطلاب منهم فكيف بالأحبار فيهم والربانيين منهم ! جعلنا الله منهم وفيهم ، إنه ذو فضل عظيم . الثالثة - اختلف العلماء من هذا الباب ، أيما أفضل الملائكة أو بنو آدم على قولين : فذهب قوم إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة ، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة . وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى أفضل . احتج من فضل الملائكة بأنهم " عباد مكرمون . لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون " [ الأنبياء : 26 - 27 ] " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " [ التحريم : 6 ] . وقوله : " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ( 3 ) " [ النساء : 172 ] وقوله : " قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك ( 4 ) " [ الانعام : 50 ] . وفي البخاري : ( يقول الله عز وجل : " من ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منهم ) . وهذا نص . احتج من فضل بني آدم بقوله تعالى : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البريئة ( 5 ) " [ البينة : 7 ] بالهمز ، من برأ الله الخلق . وقوله عليه السلام : ( وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضي لطالب العلم ) الحديث . أخرجه أبو داود ، وبما جاء في أحاديث من أن الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة ، ولا يباهي إلا بالأفضل ، والله أعلم . وقال بعض العلماء : ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة ، ولا القطع بأن الملائكة خير منهم ، لان طريق ذلك خبر الله تعالى وخبر رسوله أو إجماع الأمة ، وليس ها هنا شئ من ذلك ، خلافا للقدرية والقاضي أبي بكر رحمه الله حيث قالوا : الملائكة أفضل . قال : وأما من قال من أصحابنا والشيعة : إن الأنبياء أفضل لان الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم ، فيقال لهم : المسجود له لا يكون أفضل من الساجد ، ألا ترى أن الكعبة مسجود لها والأنبياء والخلق يسجدون نحوها ، ثم إن الأنبياء خير من الكعبة باتفاق الأمة . ولا خلاف أن السجود
--> ( 1 ) في نسخ من الأصل : ( عمال الله ) . ( 2 ) في نسخة : ( ورضى الله عنهم . . . الخ ) . ( 3 ) راجع ج 6 ص 26 ( 4 ) راجع ج 6 ص 429 ( 5 ) راجع ج 20 ص 145