القرطبي
22
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فيما يصل إلى مراد الله عز وجل في كتابه وهي تفتح له أحكام القرآن فتحا ، وقد قال الضحاك في قوله تعالى : " ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ( 1 ) " . قال : حق على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيها . وذكر ابن أبي الجوزي قال : أتينا فضيل بن عياض سنة خمس وثمانين ومائة ونحن جماعة ، فوقفنا على الباب فلم يأذن لنا بالدخول ، فقال بعض القوم : إن كان خارجا لشئ فسيخرج لتلاوة القرآن ، فأمرنا قارئا فقرأ فاطلع علينا من كوة ، فقلنا : السلام عليك ورحمة الله ، فقال وعليكم السلام ، فقلنا : كيف أنت يا أبا علي ، وكيف حالك ؟ فقال : أنا من الله في عافية ومنكم في أذى ، وإن ما أنتم فيه حديث في الإسلام ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ! ما هكذا كنا نطلب العلم ، ولكنا كنا نأتي المشيخة فلا نرى أنفسنا أهلا للجلوس معهم ، فنجلس دونهم ونسترق السمع ، فإذا مر الحديث سألناهم إعادته وقيدناه ، وأنتم تطلبون العلم بالجهل ، وقد ضيعتم كتاب الله ، ولو طلبتم كتاب الله لوجدتم فيه شفاء لما تريدون ، قال : قلنا قد تعلمنا القرآن ، قال : إن في تعلمكم القرآن شغلا لأعماركم وأعمار أولادكم ، قلنا : كيف يا أبا علي ؟ قال : لن تعلموا القرآن حتى تعرف . ا إعرابه ، ومحكمه من متشابهه ، وناسخه من منسوخه ، إذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن عيينة ، ، ثم قال : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم " يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين . قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ( 2 ) " . قلت : فإذا حصلت هذه المراتب لقارئ القرآن كان ماهرا بالقرآن ، وعالما بالفرقان ، وهو قريب على من قربه عليه ، ولا ينتفع بشئ مما ذكرنا حتى يخلص النية فيه لله جل ذكره عند طلبه أو بعد طلبه كما تقدم . فقد يبتدئ الطالب للعلم يريد به المباهاة والشرف في الدنيا ، فلا يزال به فهم العلم حتى يتبين أنه على خطأ في اعتقاده فيتوب من ذلك ويخلص النية لله تعالى فينتفع بذلك ويحسن حاله . قال الحسن : كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى الآخرة . وقاله سفيان الثوري . وقال بن أبي ثابت : طلبنا هذا الأمر وليس لنا فيه نية ثم جاءت النية بعد .
--> ( 1 ) آية 79 سورة آل عمران . ( 2 ) آيتا 57 ، 58 سورة يونس .