القرطبي

276

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( ونحن نسبح بحمدك ) أي ننزهك عما لا يليق بصفاتك . والتسبيح في كلامهم التنزيه من السوء على وجه التعظيم ، ومنه قول أعشى بني ثعلبة : أقول لما جاءني فخره * سبحان من علقمة الفاخر أي براءة من علقمة . وروى طلحة بن عبيد الله قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله فقال : ( هو تنزيه الله عز وجل عن كل سوء ) . وهو مشتق من السبح وهو الجري والذهاب ، قال الله تعالى : " إن لك في النهار سبحا ( 1 ) طويلا " [ المزمل : 7 ] فالمسبح جار في تنزيه الله تعالى وتبرئته من السوء . وقد تقدم الكلام في " نحن " ( 2 ) ، ولا يجوز إدغام النون في النون لئلا يلتقي ساكنان . مسألة : واختلف أهل التأويل في تسبيح الملائكة ، فقال ابن مسعود وابن عباس : تسبيحهم صلاتهم ، ومنه قول الله تعالى : " فلولا أنه كان من المسبحين ( 3 ) " [ الصافات : 143 ] أي المصلين . وقيل : تسبيحهم رفع الصوت بالذكر ، قاله المفضل ، واستشهد بقول جرير : قبح الاله وجوه تغلب كلما * سبح ( 4 ) الحجيج وكبروا إهلالا وقال قتادة : تسبيحهم : سبحان الله ، على عرفه في اللغة ، وهو الصحيح لما رواه أبو ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي الكلام أفضل ؟ قال : ( ما اصطفى الله لملائكته [ أو لعباده ( 5 ) ] سبحان الله وبحمده ) . أخرجه مسلم . وعن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به سمع تسبيحا في السماوات العلا : سبحان العلي الاعلى سبحانه وتعالى ذكره البيهقي .

--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 41 ( 2 ) راجع ص 203 من هذا الجزء . ( 3 ) راجع ج 15 ص 123 ( 4 ) في ديوان جرير : ( شبح ) . وفسر الشبح بأنه رفع الأيدي بالدعاء . راجع اللسان مادة ( شبح ) وديوان جرير المخطوط المحفوظ بدار الكتب المصرية رقم 1 أدب ش . ( 5 ) زيادة عن صحيح مسلم ( ج 8 ص 86 طبع الآستانة ) .