القرطبي

253

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

عندك فما كلفك الله ما لا تقدر . فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عمر ، فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله ، * أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا * فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعرف السرور في وجهه لقول الأنصاري . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بذلك أمرت ) . قال علماؤنا رحمة الله عليهم : فخوف الاقلال من سوء الظن بالله ، لان الله تعالى خلق الأرض بما فيها لولد آدم ، وقال في تنزيله : " خلق لكم ما في الأرض جميعا " " وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه " [ الجاثية : 13 ] . فهذه الأشياء كلها مسخرة للآدمي قطعا لعذره وحجة عليه ، ليكون له عبدا كما خلقه عبدا ، فإذا كان العبد حسن الظن بالله لم يخف الاقلال لأنه يخلف عليه ، كما قال تعالى : " وما أنفقتم من شئ فهو يخلقه وهو خير الرازقين ( 1 ) " [ سبأ : 39 ] وقال : " فإن ربي ( 2 ) غني كريم " [ النمل : 40 ] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : " سبقت رحمتي غضبي يا بن آدم أنفق أنفق عليك يمين الله ملاى ( 3 ) سحا لا يغيضها شئ الليل والنهار ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا ) . وكذا في المساء عند الغروب يناديان أيضا ، وهذا كله صحيح رواه الأئمة والحمد لله . فمن استنار صدره ، وعلم غنى ربه وكرمه أنفق ولم يخف الاقلال ، وكذلك من ماتت شهواته عن الدنيا واجتزأ باليسير من القوت المقيم لمهجته ، وانقطعت مشيئته لنفسه ، فهذا يعطي من يسره وعسره ولا يخاف إقلالا . وإنما يخاف الاقلال من له مشيئة في الأشياء ، فإذا أعطي اليوم وله غدا مشيئة في شئ خاف ألا يصيب غدا ، فيضيق عليه الامر في نفقة اليوم لمخافة إقلاله . روى مسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( انفحي أو انضحي ( 4 ) أو أنفقي ولا تحصى فيحصي الله عليك ولا توعى ( 5 ) فيوعى عليك ) . وروى النسائي عن عائشة قالت : دخل علي

--> ( 1 ) راجع ج 14 ص 307 ( 2 ) راجع ج 13 ص 206 ( 3 ) أي دائمة الصب والهطل بالعطاء . ( 4 ) قال النووي : ( والنفح والنضح العطاء ، ويطلق النضح أيضا على الصب فلعله المراد هنا ويكون أبلغ من النفح ) . ( 5 ) الايعاء : جعل الشئ في الوعاء ، أي لا ؟ تجمعي وتشحى بالنفقة فيشح عليك .