القرطبي

245

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

" وما يضل به إلا الفاسقين " أنه من قول الله تعالى . و " الفاسقين " نصب بوقوع الفعل عليهم ، والتقدير : وما يضل به أحدا إلا الفاسقين الذين سبق في علمه أنه لا يهديهم . ولا يجوز أن تنصبهم على الاستثناء لان الاستثناء لا يكون إلا بعد تمام الكلام . وقال نوف البكالي : قال عزير فيما يناجي ربه عز وجل : إلهي تخلق خلقا فتضل من تشاء وتهدي من تشاء . قال فقيل : يا عزير أعرض عن هذا ! لتعرضن ( 1 ) عن هذا أو لأمحونك من النبوة ، إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون . والضلال أصله الهلاك ، يقال منه : ضل الماء في اللبن إذا استهلك ، ومنه قوله تعالى : " أئذا ضللنا في الأرض ( 2 ) " [ السجدة : 10 ] وقد تقدم في الفاتحة ( 3 ) . والفسق أصله في كلام العرب الخروج عن الشئ ، يقال : فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها ، والفأرة من جحرها . والفويسقة : الفأرة ، وفي الحديث : ( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا ) . روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أخرجه مسلم . وفي رواية ( العقرب ) مكان ( الحية ) . فأطلق صلى الله عليه وسلم عليها اسم الفسق لأذيتها ، على ما يأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى . وفسق الرجل يفسق ويفسق أيضا - عن الأخفش - فسقا وفسوقا ، أي فجر . فأما قوله تعالى : " ففسق عن أمر ربه " فمعناه خرج . وزعم ابن الأعرابي أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم ( 4 ) فاسق . قال : وهذا عجب ، وهو كلام عربي حكاه عنه ابن فارس والجوهري . قلت : قد ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب " الزاهر " له لما تكلم على معنى الفسق قول الشاعر : يذهبن في نجد وغورا ( 5 ) غائرا * فواسقا عن قصدها جوائرا

--> ( 1 ) في نسخة من الأصل : أعرض عن هذا وإلا محوتك من النبوة . ( 2 ) راجع ج 14 ص 91 ( 3 ) راجع ص 150 ( 4 ) أي بمعنى الخارج من طاعة الله ، وهو بهذا المعنى حقيقة شرعية . ( 5 ) غورا ، منصوب بفعل محذوف ، أي ويسلكن . ( راجع كتاب سيبويه ج 1 ص 49 طبع بولاق ) .