القرطبي
243
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثالث - نصبت على تقدير إسقاط الجار ، المعنى أن يضرب مثلا ما بين بعوضة ، فحذفت " بين " وأعربت بعوضة بإعرابها ، والفاء بمعنى إلى ، أي إلى ما فوقها . وهذا قول الكسائي والفراء أيضا ، وأنشد أبو العباس : يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم * ولا حبال محب واصل تصل أراد ما بين قرن ، فلما أسقط " بين " نصب . الرابع - أن يكون " يضرب " بمعنى يجعل ، فتكون " بعوضة " المفعول الثاني . وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج " بعوضة " بالرفع ، وهي لغة تميم . قال أبو الفتح : ووجه ذلك أن " ما " اسم بمنزلة الذي ، و " بعوضة " رفع على إضمار المبتدأ ، التقدير : لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة مثلا ، فحذف العائد على الموصول وهو مبتدأ . ومثله قراءة بعضهم : " تماما على الذي أحسن " أي على الذي هو أحسن . وحكى سيبويه : ما أنا بالذي قائل لك شيئا ، أي هو قائل . قال النحاس : والحذف في " ما " أقبح منه في " الذي " ، لان " الذي " إنما له وجه واحد والاسم معه أطول . ويقال : إن معنى ضربت له مثلا ، مثلت له مثلا . وهذه الأبنية على ضرب واحد ، وعلى مثال واحد ونوع واحد والضرب النوع . والبعوضة : فعولة من بعض إذا قطع اللحم ، يقال : بضع وبعض بمعنى ، وقد بعضته تبعيضا ، أي جزأته فتبعض . والبعوض : البق ، الواحدة بعوضة ، سميت بذلك لصغرها . قاله الجوهري وغيره . قوله تعالى : ( فما فوقها ) قد تقدم أن الفاء بمعنى إلى ، ومن جعل " ما " الأولى صلة زائدة ف " - ما " الثانية عطف عليها . وقال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما : معنى " فما فوقها " - والله أعلم - ما دونها ، أي إنها فوقها في الصغر . قال الكسائي : وهذا كقولك في الكلام : أتراه قصيرا ؟ فيقول القائل : أو فوق ذلك ، أي هو أقصر مما ترى . وقال قتادة وابن جريج : المعنى في الكبر . والضمير في " أنه " عائد على المثل أي أن المثل حق .
--> ( 1 ) قال الدميري : ( هو وهم ) . وذكر البعوض بأوصافها . ويدل على أن البعوض غير البق ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم : ( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة . . " الحديث .